الوجبات العائلية.. مؤشر على التحولات

جاك أطالي جاك أطالي

إن استعادة المرء لذكرى الوجبات العائلية في الطفولة (ليس تلك الوجبات اليومية برفقة الأبوين والأشقاء والشقيقات، بل تلك التي تُقام في بيت أحد الأقارب وبحضور أفراد العائلة القريبين والبعيدين، بمناسبة الأعياد الدينية، أو أعياد الميلاد، أو حفلات الزواج إلخ)، تعتبر مؤشرا رائعا على ما كانت عليه الطفولة، وما أصبحت عليه، وما سيكون عليه العالم في مستقبل الأيام.
إذا كانت تلك الطفولة سعيدة، فإن ما يتبقى من تلك الوجبات عموما، هو تلك القهقهات الطويلة، تلك الحوارات المرحة، واللقاءات المثيرة والدافئة. أما إذا كانت تلك الطفولة أقل سعادة، فإن ما يبقى عالقا بالذاكرة، هو ذلك الملل الذي يغمر تلك اللحظات التي نجبر على قضائها مع هذا القريب، أو تلك القريبة، مع أناس لا نتوقع منهم أي دفء ولا نستفيد منهم شيئا البتة. بل إن هذه الوجبات العائلية كانت، بالنسبة إلى من عاشوا طفولة أسوأ، فترات في الجحيم تراشق فيها الكبار حقائق مرعبة، أو انهاروا جراء تأثير تناول الكحول، أو انخرطوا في العراك، أو صبوا جام غضبهم على أبنائهم ضربا وركلا وصفعا. بل هناك آخرون لا يتذكرون هذه الوجبات تماما، لأنه لم تكن لديهم عائلة أو لم يعيشوا طفولتهم بالمرة، أو لأنهم فضلوا، ونجحوا، في مسحها من ذاكرتهم.

اليوم، أصبحت هذه الوجبات عموما محدودة من حيث عدد الحاضرين وقصيرة من حيث الزمن، ونادرة، وتقام في الغالب بالمطاعم، لأن العائلات غدت أكثر تشتتا، لأنه لم نعد نرغب في قضاء أربع ساعات مع غرباء نادرا ما يجتمعون، لأننا لم نعد قادرين- أو لم نعد راغبين- على تناول ما يأكله من ليسوا، مثلنا، نباتيين أو يتبعون حمية أو ذوي حساسية من هذه الأكلة أو تلك، لأنه لم يعد أحد يرغب في قضاء خمس ساعات في إعداد الأكل، أو لأننا، بكل بساطة، نحب اختيار ما نأكل وليس تقاسمه مع الآخرين، أو لأن حجم الشقق لم يعد يسمح بتجمعات كبيرة، أو لأننا مشغلون بأمر آخر: لقاء مع أصدقاء، حضور حفل ما، مباراة ما، وأمور أخرى عديدة. كما أنه لم يعد ممكنا أن نفرض على مراهق قضاء فترة بعد الزوال كلها في الاستماع إلى ذكريات وأحاديث ومشاريع معارف لا تربطه بهم صلة قوية.
في كل مكان على البسيطة تكشف ندرة هذه الوجبات العائلية – التي كانت في القرن الماضي، في العالم القروي على الأقل، تؤثث أيام الآحاد إلى وقت متأخر بعد الزوال، في بيت أحد الأقارب تحت رئاسة كبير العائلة – ما كسبنا وما فقدنا مع نمط حياتنا الجديد.. تكشف ميلنا إلى تفضيل ما هو سريع وزائل ومختار.
لهذا، فأفضل هذه الوجبات تقام اليوم، بالنسبة إلى كثيرين، بين أناس اختاروا بعضهم بعضا (الأسرة المختلطة (الناتجة عن وزاج ثان)، أصدقاء حقيقيون)، دون إكراهات رابطة الدم والطقوس الاجتماعية المفروضة.

إذا اعتبرنا أن هذه التطورات تؤشر على ما سيحدث في المستقبل، فإنها تقول لنا: كونوا أحرارا، اختاروا الجلوس مع من يشعركم بالسعادة، لا تستسلموا للعادات والطقوس، تقاسموا لحظات السعادة فقط مع من تختارون، ومع من تفضلون أن يحتفظوا بأفضل الذكريات. هكذا لن تبقى الوجبات العائلة مجرد تجميع للعزلات، بل ستتحول إلى لحظات حقيقية للمشاركة والاعتراف بالجميل، بشرط أن نحجز مكانا على المائدة – كما هو الحال في كل التقاليد العريقة- للذين أدركهم الوهن والعزلة، والذين أعطوا الكثير في الماضي، وكذلك للغرباء، ونستقبلهم على أنهم بركة من السماء.
ترجمة: مبارك مرابط عن “ليكسبريس”

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني