نوستالجيا الاتحاد الاشتراكي

سليمان الريسوني سليمان الريسوني

لعل أقذع وصف سمعته عن الوضع الذي وصله الاتحاد الاشتراكي حاليا، هو ما قاله صديق يساري لصديقه الاتحادي الذي عيَّره بالعدمية، مقابل واقعية الاتحاد الاشتراكي، فأجاب الأول الثاني: “أعترف أننا كنا عدميين في كثير من قناعاتنا ومواقفنا، لكن عليك أن تعترف بدورك أن حزبك انتقل من الواقعية إلى الأمر الواقع، وأنه خلال مساره السياسي تطور من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي وصولا إلى الاتحاد الدستوري، وهو الوضع الذي تعيشونه اليوم”.
هذا النقاش الذي يعود إلى أزيد من عشر سنوات، تذكرته الآن، مع ما تذكرت بمناسبة ذكرى رحيل عبدالرحيم بوعبيد، الذي أصبح اسمه يختلط مع اسم المعطي بوعبيد لدى كثير من الوافدين الجدد على الاتحاد الاشتراكي، وضمنهم عضو قيادي بالمجلس الوطني للحزب، يا حسرة!
وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فعملية “دسترة” الاتحاد الاشتراكي بدأت مبكرا، عندما تم تقريب المعطي بوعبيد من دار المخزن وتأسيس حزب إداري له، بعدما كان مناضلا اتحاديا صلبا. وقد حكى لي السي محمد الحبابي، في حوار منشور، كيف أن “الحسن الثاني كان يروق له اللعب بالكلمات، وقد استغل الاسم العائلي للمعطي بوعبيد لهذا الغرض، ونجح في ذلك مؤقتا، حيث أذكر أن أحد أبرز الأسماء داخل الحزب الاشتراكي الفرنسي اتصل بي يستفسرني باستغراب عن ملابسات تولي عبدالرحيم بوعبيد الوزارة الأولى في 1979، فأجبته مطمئنا إياه أن الأمر لا يعدو كونه تشابها في الأسماء”. وأضاف الحبابي أن “المعطي بوعبيد تذمر من ذلك الدور الذي أُنيط به، وأعرب للعديد من أصفيائه عن حالة تذمره تلك. وعندما توفي عبدالرحيم بوعبيد، لاحظت كيف أنه كان يبكي بحرقة خلال تشييع جنازته”.
الآن- وبالقسطاس- دخل الاتحادان، الاشتراكي والدستوري، تحت جناحي حمامة أخنوش ورحمته. فكبير الحمام هو الذي أغضب بائع الورد عندما اختطف منه مقعده في سيدي إفني وأفقده بذلك فريقه في مجلس النواب، وهو الذي أفرحه عندما عوضه عن ذلك المقعد باثنين في كرسيف والناظور، وربما بمقعد ثالث، مقبل، في العرائش.
وبما أن العقل التبريري عَوَّض العقل النقدي الذي كان يميز مناضلي الاتحاد الاشتراكي العقلانيين، فإن قياديين في حزب إدريس لشكر لا يجدون حرجا في تبرير وصاية عزيز أخنوش على الاتحاد الاشتراكي بالقول إنه دائما كان اتحاديا في عمقه، وطالما كان هو ووالده يدعمان الاتحاد، كما أن شقيقه تقدم، بإيعاز ودعم منه، بطلب الترشح باسم الاتحاد الاشتراكي في أكادير خلال انتخابات 1993…
هذا التبرير “الحزبوي” يشبه ذاك الذي أصبح مألوفا أن يقذفه في وجهك الكثير من الاتحاديين اليوم، فعندما تحاصر أحدهم بالقول إن رئيس الجماعة الفلاني أو البرلماني الفلاني المنتمي إلى حزبك تحوم حوله شبهة الفساد، يجيبك: “صحيح، لكنه اتحادي “مخزز””.
هكذا، وبعد أزيد من سبعة عقود من العمل السياسي الحزبي في المغرب، تتحول الأحزاب الديمقراطية إلى عصبوية، تقيِّم المنتمين إليها والعاطفين عليها، على أساس وفائهم للأسماء والجدران وليس بقدر وفائهم للمبادئ والأفكار. فما قيمة الاتحاد الاشتراكي بدون اشتراكيين؟
لقد اهتدى الذين طالما حاربوا الاتحاد الاشتراكي، وضمنهم حزب أخنوش، الذي خُلق لهذا الغرض، إلى تحويل الاتحاد إلى حزب نوستالجي طيِّع وبدون أدوار سياسية ممانعة أو اجتماعية مؤثرة، وهذا أهم لهم من حله.

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني