سبع سنوات من الثورة التونسية .. سمَانٌ في الحريات وعجاف في التنمية

بين شهري يناير من عامي 2011 و2018، تكون قد مرت على اندلاع الثورة التونسية سبع سنوات، جرت خلالها أحداث، ومحطات عديدة، وما بين التاريخين، تتأرجح مشاهد الاحتجاجات، والمواجهات العنيفة بمختلف الشوارع، والمدن، لترسم صورة متشابهة في الشكل، ومختلفة في السياق، والمضمون.

ويظل القاسم المشترك بين الزمنين هو استمرار الفقر، والبطالة في المناطق الداخلية الأكثر عزلة، على الرغم من محاولة الحكومات المتعاقبة تطبيق “التمييز الإيجابي” لصالح هذه المناطق الواقعة معظمها في غرب، وجنوب البلاد في مقابل مراكمة البلاد لرصيد مهم في مجال ممارسة الحريات، والتداول الديمقراطي.

ويرصد تقرير لوكالة “الأناضول” تلخيصا لأهم ما تحقق، وما لم يتحقق بعد 7 سنوات من «ثورة الياسمين”، محاولا ربط هذه الحصيلة، ومساهمتها في تفجير الاحتجاجات الأخيرة، التي انطلقت مع مطلع العام الجاري 2018.

استمرار الفقر ونقص التنمية

حينما أقدم الشاب محمد البوعزيزي، على إشعال النار في نفسه في مدينة سيدي بوزيد في الأيام الأخيرة من عام 2010، لم يكن يعقتد، أو يسعى إلى الإطاحة بنظام بن علي، أو إشعال فتيل الربيع العربي، بقدر ما كان دافعه رفض الظلم، وقطع مصدر رزقه المتثمل في عربة الخضار.

وشكل حادث البوعزيزي، خلال الأيام التالية، نقطة انطلاق لشرارة ثورة، تحمل طابعا اجتماعيا، ذي صلة بالبطالة، ونقص التنمية، خصوصا في المناطق الداخلية الغربية، والجنوبية، قبل أن يتخذ الحراك حينها طابعا سياسيا.

وتنبع الاحتجاجات الحالية في تونس، من أسباب اجتماعية واقتصادية، مرتبطة مباشرة بزيادة أسعار بعض المواد الأساسية، مطلع  عام 2018.

غير أن الامتداد الزمني لهذه الاحتجاجات قد يحولها إلى حراك نوعي، ويضمنها مطالب سياسية، خصوصا أن أحزاب مثل الجبهة الشعبية، التي تمتلك 15 نائبا برلمانيا، والتيار الديمقراطي (3 نواب) لم يخفيا دعمهما للاحتجاجات.

 بطالة مرتفعة

وارتباطا بالعامل الأول تشكل مستويات البطالة المرتفعة أهم إخفاقات تونس بعد الثورة، حيث بلغت نسبة البطالة في البلاد السنة الماضية 2017، نحو 15.3 في المائة، وترتفع إلى نسب أعلى في أوساط الشباب، وتزداد نسبتها أكثر في المناطق الغربية والداخلية والجنوبية، وتمثل إحدى العقبات الرئيسية، التي أخفقت 9 حكومات متتالية بعد الثورة في تقليصها إلى نسب مقبولة.

أزمة اقتصادية خانقة

على الرغم من محاولة تونس بعد الثورة الخروج من أزمتها الاقتصادية، إلا أن الوضع تأزم أكثر بسبب الاحتقان السياسي والضربات، التي وجهها الإرهاب إلى قطاعها السياحي، الذي يمثل أحد ركائز اقتصادها، قبل أن ينتعش نسبيا في عام 2017.

كما أثرت الاحتجاجات المتتالية كثيرا في القطاعات الرئيسية لاقتصاد البلاد، مثل الفوسفاط، والبترول، الذي تنتج منه البلاد كميات محدودة.

استمرار تفشي الفساد

من أهم الأسباب، التي شكلت دافعا قويا للثورة التونسية كانت الرغبة في محاربة الفساد، الذي عم البلاد في ظل حكم بن علي، وأصهاره، وأصدقائه، إلا أنه وبعد 7 سنوات، وعلى الرغم من إعلان الحكومة بقيادة يوسف الشاهد، الحرب على الفساد، ظلت تتملك التونسيين قناعة راسخة، حتى اليوم، بأن “الفساد لم يكافح بالشكل الكافي”.

وفي هذا الصدد، يقول شوقي الطبيب، رئيس الهيئة التونسية لمكافحة الفساد والحوكمة وهي مؤسسة دستورية مستقلة، في تصريحات إعلامية سابقة، إن “70 بالمائة من مشاكل تونس كان بالإمكان تجاوزها في حال قاومنا الفساد”.

على خلاف ذلك، راكمت تونس خلال 7 سنوات من الثورة رصيدا مهما في مجال الحقوق، والحريات، وضمان الحق في التعبير، مع معالجة عدد من الانتهاكات، التي طبعت تدبير نظام بن علي.

التداول على السلطة عبر منافسة مفتوحة

قبل الثورة، لم يكن بالإمكان التداول على السلطة عبر انتخابات مفتوحة، وعلى الرغم من أن تونس شهدت انتخابات في هذه المرحلة، إلا أنها كانت محسومة مسبقا، ما يعني أن أهم إنجاز حققته الثورة لشعبها هو تمكينه من انتخاب ممثليه بشكل ديمقراطي.

صحافة حرة

بعدما كانت الصحافة العمومية، والخاصة خاضعة لرقابة السلطة، أصبح الإعلام أكثر حرية، وتنوعا، وصنفه تقرير مراسلون بلا حدود، في المرتبة الأولى عربيا في تصنيف لم يستثن إلا دولتي موريتانيا، وجزر القمر.

العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان

شكلت تونس، في 2014، هيئة دستورية مستقلة من أجل “الحقيقة والكرامة”، وذلك بهدف الإشراف على تطبيق قانون العدالة الانتقالية، والنظر فيما يتردد من تجاوزات حقوق الإنسان بين الأول من يوليوز 1955 و24 دجنبر 2013، تاريخ صدور هذا القانون.

 حق التظاهر

وهو من الحقوق التي حصل عليها التونسيون بعد الثورة، حيث كان التظاهر محظورا زمن بن علي، إلا في نطاق ضيق.

لكن في السنوات السبعة الأخيرة، شهدت تونس عدة تجمعات ومظاهرات حمتها الشرطة بدل قمعها، رغم أن هذا الحق أصبح محل جدل بسبب لجوء بعض المحتجين إلى العنف.

تونس احتجاجات

 الحجاب

كان الحجاب في عهدي بورقيبة وبن علي، محظورا بنص القانون رقم 108 الصادر في 1981، حسب القيادية في حركة النهضة فريدة العبيدي، لكن بعد الثورة تم إسقاط هذا القانون، وأصبح الحجاب “حرية شخصية” للنساء التونسيات.

الإرهاب عقبة بوجه الاستقرار

قبل الثورة، كانت تونس تنعم إلى حد كبير بالأمان، رغم وقوع عمليات إرهابية محدودة، لكنها بعد يناير 2011، تعرضت لعدة ضربات إرهابية استهدفت سياسيين ورجال أمن وعسكريين وسياح أجانب.

كما حاول تنظيم “داعش” الإرهابي تأسيس إمارة له في بن كردان جنوب شرق البلاد، فيما تتمركز كتيبة عقبة بن نافع، التابعة لتنظيم القاعدة في جبال الشعانبي الغربية، يضاف إلى ذلك ما تمثله عودة مئات التونسيين من مناطق التوتر في ليبيا وسوريا والعراق، وهو ما أثار قلق الناس من تزايد مخاطر التهديد الإرهابي.

أما على المستوى الخارجي، فلم تحض الثورة التونسية بدعم أطراف دولية على الأغلب، لكن اليوم، يخشى محللون إمكانية استغلال أطراف خارجية للاحتجاجات الحالية، لزعزعة الأوضاع في تونس، خاصة وأن الثورة التونسية كانت الوحيدة التي نجت من السيناريوهات المأساوية التي عرفتها دول الربيع العربي مثل ليبيا ومصر وسوريا واليمن.

وإجمالا يمكن القول أنه بعد 7 سنوات من الثورة، حقق التونسيون قفزات على المستوى الديمقراطي والحريات العامة، لكنها على الصعيد الاقتصادي لازالت تراوح مكانها إن لم تتراجع قليلا، في حين يمثل مكافحة الفساد تحديا كبيرا وإن قطعت فيه الحكومة خطوات عديدة، إلا أن الطريق أمامها مازال يبدو بعيدا.

loading...

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني