هل مازالت الجامعات تصلح لشيء؟

جاك أطالي جاك أطالي

إن الإصلاح المزمع للباكالوريا، والشروط التي تم الحسم فيها للقبول في الجامعات تتيح لنا فرصة لطرح قضية تنظيم الدراسات العليا بشكل جدي أخيرا.
أولا، هذه بعض البديهيات: إذا ما وضعنا جانبا أولئك الذين ظهرت مواهبهم بكل وضوح، وأولئك الذين يتوفر آباؤهم على رأس مالي مادي أو ثقافي عال، فإن معظم المراهقين يجهلون السبل الكفيلة بجعلهم يختارون المهن التي تناسب مؤهلاتهم أكثر.

وسيندثر عدد مهم من الحرف القائمة حاليا، لما يلج إلى سوق الشغل أولئك الذين يرتادون اليوم، الثانوية ويتوفرون على الإمكانات التي تخول لهم متابعة دراسات عليا.
وباستثناء حالات قليلة، فإن المراهقين المحظوظين، بفضل الرأس مال الثقافي أو المادي لذويهم، سينفرون من الجامعات ليحاولوا المرور إلى نشاطاتهم المفضلة عبر السبل الانتقائية للمدارس الكبرى أو المؤسسات الملائمة لمواهبهم.

إذا فضل المرء في العثور على طريقه خلال دراسته، يصبح من المستحيل تقريبا تدارك الأمر لما يتقدم في العمر. إذ في فرنسا الفشل ليس سبيلا من سبل التعلم، بل يعني انعطافة نهائية في مصير الحياة.

والتكوين المستمر- الذي تساوي ميزانيته بفرنسا ضعفي تلك المخصصة للجامعات (دون البحث العلمي)- مازال اليوم، منفلتا من هذه المؤسسات العليا لصالح المقاولات الخاصة، التي لا تتوفر في الغالب على شرعية أكاديمية ولا تخضع لمراقبة جدية تحدد مدى فعاليتها، ولا تصلح في شيء لتدارك إخفاق المرء في مساره الدراسي السابق.

من كل هذا نستخلص ما يلي:
– يجب التوقف عن التفكير في التكوين العالي الأصلي كمفتاح لتدشين مسارات مهنية تصاحب المرء مدى الحياة، وتضمن للبعض وضعا اجتماعيا يقصى منه الآخرون، والعمل على تحولها –كما هو حال بعض المدارس العليا وإن جزئيا في الفترة الراهنة- إلى مكان للتكوين المستمر، يعود إليه الطلبة، على فترات منتظمة، لاكتساب مهارات جديدة.

– التعلم والمزج بين التكوين والعمل يجب أن يشكلا نموذجين عاديين للتعليم العالي، إلى غاية الحصول على درجة الدكتوراه.

– على الجامعات متابعة مسارات طلبتها السابقين باستمرار، واستخلاص التعديلات الضرورية على مناهجها الأكاديمية، وبالتالي ضمان تكوين مستمر وملائم لهم.

كل هذا يفترض تغييرا جذريا في الطريقة التي نهيئ بها نظام التعليم العالي لدينا.

أولا، من الناحية المالية. إذ على الجامعات المطالبة بالحصول على حصة كبيرة من الموارد المخصصة للتكوين المستمر، والتسلح بالمهارات اللازمة لتقديم خدماتها.
ثانيا، على الصعيد اللوجستي. مع هذه الموارد الجديدة، ومن أجل تقديم هذه الخدمات الجديدة، يتعين على الجامعات، والمكتبات، والكافتريات، وأماكن لقاء الأساتذة والطلبة، أن تظل مفتوحة طيلة 16 أو 20 ساعة، على مدار العام.
ثالثا وأخيرا، فيما يخص الأوضاع الإدارية والاجتماعية: يجب أن تكون مسيرة الأستاذ مرهونة بقدرته على تعليم الطلبة الشباب والأطر المكرسة، وكذا بقدرته على القيام بالبحث العلمي. هذان المهاراتان يجب أن تظلا مجتمعتين.
سيكون من الصعب جدا القيام بهذه التغييرات العميقة، لأن هناك تعارضا كبيرا بين حكامة التعليم العالي وحكامة التكوين المهني وحكامة التكوين المستمر.
إن نجحنا في هذه المهمة سنكون قد مكنا فرنسا أخيرا من الوسائل الضرورية لتحقيق طموحاتها.
ترجمة: مبارك مرابط
عن ليكسبريس