القاهرة فعلا

سليمان الريسوني سليمان الريسوني

الأخبار التي تأتي يوميا من القاهرة تؤكد أنها العاصمة العربية الوحيدة التي تستحق اسمها وتتمثله. القاهرة فعلا مدينة قاهرة، وقد عممت قهرها على كل مصر، حتى أن الآية القرآنية التي تحف البوابة الرئيسة لمطار القاهرة الدولي: “ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين”، لم تعد تعني مصر الجنرال السيسي في شيء، فالداخل إلى القاهرة، التي يسميها المصريون “مصر”، مفقود والخارج منها مولود، وما حدث للطالب الإيطالي جوليو ريجيني، ولنائب الرئيس السابق محمد شفيق، يؤكد أن دخول القاهرة لإنجاز بحث أكاديمي حول سياسة السيسي أو دخولها لمنافسته في الانتخابات أمران، سيان، مرفوضان، ويقودان إلى كل المصائب والمصائر غير الآمنة، من القتل إلى الفضيحة.
مع “الملك الحزين” عبدالفتاح السيسي، ازداد المصريون قهرا على ما كانوا عليه مع سلفِه محمد مرسي، وسلفِ سلفه حسني مبارك. فالسيسي بقدر ما توحي ملامحه، وهو يتحدث، بأنه سينفجر بكاءً، حزنا وكمدا على حال المصريين، بقدر ما يبدع في قهرهم والتنكيل بهم لأنهم تجرؤوا ذات يوم وقالوا للحاكم العسكري الذي سبقه: “كفاية”.
السيسي، وبعدما استراح من سحل وقتل وسجن المئات من إخوان الرئيس مرسي، ومثلهم من الشباب والمثقفين الليبراليين الذين أيدوه في انقلاب يوليوز 2013، ها هو يلتفت إلى “رفاق” حمدين صَبَاحي بعدما تمردوا على دور “الكومبارس”، الذي أسند إليهم في رئاسيات 2014، وتجرؤوا اليوم على الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات المقبلة، حيث جرجر السيسي حمدين صباحي و12 اسما بارزا في “جبهة الإنقاذ”، إلى المحاكم بتهم ثقيلة منها التحريض على قلب النظام العام. وقبل حمدين صباحي ومن معه، جزَّ السيسي رأسَي منافسيه الحقيقيين أحمد شفيق وسامي عنان، اللذين يمتان بصلة إلى الجيش ولديهما امتدادات شعبية ويحظيان بدعم لوبيات محلية ومراكز قوى إقليمية ودولية. بالمقابل، استقدم مرشحا دمية، هو موسى مصطفى، المتابع في قضايا اغتصاب وبلطجة، حيث جمع له السيسي 27 ألف توكيل انتخابي في 10 أيام، بالرغم من أن حزب “الغد”، الذي يترأسه موسى مصطفى، لا يملك أي مقعد في البرلمان.
القهر الذي يعيشه المصريون مع نظام أكمل دورة الاستبداد، وأقفل كل منافذ التنوع والاختلاف السياسي، ساهمت فيه أغلب نخب مصر وأحزابها الليبرالية واليسارية بشكل كبير، عندما قبلت الانقلاب على ثورة يناير، وليس على مرسي فحسب، وأوجدت المبررات المتهافتة لانقلاب يوليوز. ولن أنسى ما حييت كيف جلس أمامي الكاتب علاء الأسواني، مساء الخميس 11 يوليوز 2013 (بعد ثمانية أيام من الانقلاب على مرسي) بمركز “شبابيك” بمنطقة المقطم بالقاهرة، وهو يبذل مجهودا لإقناع الحاضرين في ندوة بعنوان: “انقلاب أم ثورة شعبية؟”، بأن ما حدث هو استمرار لثورة يناير التي أطاحت بحسني مبارك. بعد الانتهاء من عرضه، تقدمت منه أسأله: “ألا ترى أن الدعم الخليجي الذي تدفق على مصر بعد عزل الرئيس مرسي دليل على وجود أيادي خارجية فيما حدث”؟ فأجابني بانفعال، كما لو كان ضابط جيش وليس مثقفا: ” كل هذه أكاذيب، فمن الطبيعي عندما تكون مصر في حالة اقتصادية صعبة أن يبادر الإخوة الأشقاء لمساعدتها كما فعلوا دائما”!
عندما تركت الأسواني وانصهرت في شوارع القاهرة الضاجة وقتئذ بالمظاهرات والتجمعات المؤيدة لمرسي ونقيضتها الداعمة للسيسي، كنت متأكدا بأن كل من يملك سلطة سياسية أو عسكرية أو ثقافية في هذا البلد، يساهم بمقدار في قهر أهله. ويومها عرفت لماذا غنى محمد عبدالوهاب: “ما أقصر العمرَ حتى نُضيعه في النضالِ”.

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني