قنيني: هناك كتب تترجم في بعض البلدان غايتها التشويش وإفساد فكر الناس

عبدالقادر قنيني مترجم مغربي يشتغل في الظل، لكنه خبر الترحال بين اللغات والثقافات والأفكار والفلسفات طوال ما يزيد عن أربعين سنة. أصدر في الآونة الأخيرة عملين ضخمين، ضمن منشورات أفريقيا الشرق. حولهما معا يتمحور هذا الحوار.

• أصدرت في الآونة الأخيرة عملين ضخمين ضمن منشورات دار أفريقيا الشرق، أولهما بعنوان “الأخلاق العملية” لبيتر سينغر، وثانيهما عمل جماعي بعنوان: “في تاريخ نشأة التحليل النفسي”. ما سر هذا الاهتمام بترجمة الأعمال الفلسفية؟
*** كان من حظي أن الظروف التي عاشتها الساحة الثقافية في المغرب والشرق، في نهاية الستينيات، كانت تعبق برائحة المنطق الرمزي للفلاسفة الوضعيين من الإنجليز. وكمثال على تحرر الفكر من المنطقي الأرسطي القديم، هو الخروج من الرياضيات الكلاسيكية، والعمل على تدريس الجبر المعاصر. وكانت فرنسا في هذا الوقت قد انتهت إلى أن الرياضيات القديمة لا تصلح، فجعلت تترجم الرياضيات المعتمدة على المنطق الرمزي، والمغرب تابع لها.
إذاً، في هذا الجو المتأثر بنقل فكر جديد، أحسست بأن طرق البحث وطريق المعرفة قد تحولت بصفة نهائية، وأن تخصصنا في الفلسفة القديمة عفا عليه الزمان، وبخاصة مع إرهاصات ذلك الوقت بدخول الإنترنت واقتحام الشعوب الشرقية ميدان المعرفة والتقنية. وكان الأستاذ عزيز بلال يشير في محاضراته في علم الاقتصاد لطلبة العلوم السياسية إلى أن شمال إفريقيا يفعل بنفسه خيرا لو اقتدى بالشعبين الهندي والصيني… ومهما يكن الأمر، فإن خلفية الاهتمام بالترجمة نبع من الماضي السحيق المزيف، ومن الحاضر المثقل بالهموم وتراكم المشاكل الخلافية، مع عدم القدرة على تحديد وبيان ما يتطلب الحلول العاجلة. والذي يهتم بالتعليم والتربية في سائر ميادين المعرفة، وخاصة التقنية، يحتاج إلى توفير الأدوات الأولية اللازمة والضرورية. نعم، هناك أدوات جديدة، مواقع التواصل المتاحة للجميع، ولكننا نتحدث عن توجيه الفكر، وترسيخ الهوية، وإرساء أساس متين لإنجاز برنامج عمل، وإحياء تقليد فلسفي، إلخ.
• في هذا السياق، ما أهمية وقيمة العملين اللذين ترجمتهما إلى العربية (“الأخلاق العملية” و”في تاريخ نشأة التحليل النفسي”)، بالنسبة إلى الحقول المعرفية العربية اليوم؟
*** لا بد من الإشارة إلى أن ثقافتنا الفلسفية والأدبية والدينية يخترقها، أيضا، المنطق الأرسطي والميتافيزيقا الأرسطية، وكذلك أخلاق أرسطو. ولربما لا يفهم الناس العاديون نفوذ هذا الفيلسوف وهيمنته على تفكيرنا ومناهجنا في تناول القضايا التي تهم حياتنا. كان لا بد من أن أتابع ما أنجزه فضيلة الأستاذ بدوي، الذي أحيا تراث أرسطو، وأخرجه من المخطوطات، فأعدت ترجمة “الخطابة” لأرسطو وكتاب “السماع الطبيعي”. وكمثال على أهمية السماع وأثره في اللغة، لا بد من ذكر كتاب “التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض” لابن متويه. فمصطلح النحو وأصول الفقه مأخوذ من هذا التأليف، الذي هو منقول بالحرف عن أرسطو.
وإذا كان نفوذ أرسطو على ذهننا واضحا، فإن هيمنة فرويد في التحليل النفسي أشد تغلغلا في حديثنا اليومي. وعقلية أرسطو في منطقها تكافئ عقلية فرويد في التدجين والكذب. ملخص كتاب “نشأة التحليل النفسي” أن فرويد أسطورة، بل هو من ابتكر أسطورة هذا النوع من المعرفة المنبنية على افتراض جهاز نفسي لا يوجد إلا في عقل فرويد فقط. والغريب في الأمر أن معظم أعمال فرويد مترجمة إلى العربية، مثل “الموجز في التحليل النفسي”، “محاضرات تمهيدية”، “ثلاث مقالات في نظرية الجنس”، “تفسير الأحلام”…
• لكن ما الجدوى من معرفة هذا الأمر اليوم؟ وما الجدوى من ترجمة هذا الكتاب الذي يقدم معرفة مضادة للتحليل النفسي؟
*** هناك كتب تترجم في بعض البلدان غايتها التشويش وإفساد فكر الناس وضياع أموالهم وأوقاتهم. وهناك دور نشر كثيرة تقوم بهذا العمل. وهي لا تعبأ بسؤالك. لكن لا بد من التنبيه إلى أن هناك في العالم العربي قوتين، واحدة للبناء، والثانية للهدم.
في كتاب بيتر سينغر “الأخلاق العملية”، خرجنا لأول مرة في تاريخ الفلسفة من أخلاق أرسطو، ومن أخلاق كانط المنبنية على الواجب، ودخلنا في مناقشة قضايا حياة الإنسان وعلاقته بالطبيعة وإمكانية استنزاف خيراتها. إذ تكشف إطلالة قصيرة على محتويات هذا الكتاب عن هموم المؤلف، لأنه يتحدث عن موضوعات شائكة في عصرنا، منها الإجهاض والقتل الرحيم والفقر وتغير المناخ، كما تظهر طريقة مناقشتها وعرضها للهم الفلسفي عند هذا المفكر الذي عاني الاضطهاد، وغالبا ما يطرد حتى من قاعات المحاضرات، لا لشيء سوى لأنه يدافع عن بقاء الإنسان.
• المتتبع لمسارك الترجمي يلاحظ انتقالك في الآونة الأخيرة من ترجمة اللغويات واللسانيات إلى حقل الفلسفة. لماذا هذا الانتقال؟
*** يوحي الانتقال من اللسانيات إلى الفلسفة في الظاهر بتكويني ونزعتي إلى المعرفة الموسوعية. وكتاب “الأخلاق العملية” المذكور آنفا يبرز هذا الاتجاه. لكن اتجاهي في الترجمة خاضع لخيط ناظم داخلي، وهو أن معظم من ترجمت لهم هم إما فلاسفة اللغة، وإما مناطقة وضعيون. من هنا، فأنا مهتم بالتقنيات التي طورها علماء اللسان والمنطق والفلاسفة، وبالنتائج المطلوبة والمرغوب في الوصول إليها بعد تصحيح منطق اللغة الطبيعية العربية. وكان هدفا لمن اهتم بالفكر العربي الإسلامي.
• هل هذا معناه أنك ستواصل الترجمة في حقل الفلسفة، أم ستنتقل إلى مجال آخر مستقبلا؟
*** أنا منكب على ترجمة كتاب حول الموسيقى عنوانه “نظرية الموسيقى: الإحساس بالنغم كأساس فسيولوجي” للفيلسوف “هرمان فون هيلتهولتز”، ومن خلاله يظهر نوع من التجديد للمصطلح الذي وضعه الفارابي وابن سينا.