بنسعيد واعتقال بوعشرين: ليس من مصلحة الدولة أن تتساهل مع تكميم الأفواه

بنسعيد آيت ايدر بنسعيد آيت ايدر

في هذا الحوار، يعرض الزعيم الوطني، بنسعيد آيت إيدر، مواقفه بخصوص مستجدات الحياة السياسية في البلاد.

قال إن المحاكمة العادلة ستكشف الأسباب الحقيقية لاعتقال توفيق بوعشرين.

ما هو تعليقك على محاكمة الصحافي توفيق بوعشرين؟

أظن أنه يجب احترام ما جاء على لسان الدفاع الذي أكد ضرورة أن تكون المحاكمة عادلة وأن تحترم المساطر القانونية، فالجميع اليوم يؤكد أن القضاء ينبغي أن يمارس دوره بكل نزاهة وحيادية بعيدا عن التعليمات، وكل ما يشوش على عمل القضاة، ويسعى إلى التأثير في قراراتهم. فكل التجاوزات المسطرية، كيفما كان حجمها، تؤثر على مصداقية قرارات القضاة، وتفقدها الكثير مما تستحقه هذه السلطة الأساسية من احترام وتقدير.

وأظن أن المحاكمة العادلة ستكشف الأسباب الحقيقية لهذا الاعتقال، وتبرز ما إذا كان الغرض هو استهداف الجريدة التي أخذت على عاتقها التعبير عن رأي سائد في المجتمع، ومارست صحافة نقدية للتجارب التي يمر منها المغرب، وأصبح لها أنصارها وقراؤها ومن يتتبعها من النخبة وعموم المواطنين، لأنها من الفلتات التي يحبذ المحب للحرية أن يجدها في المشهد الإعلامي تجادل وتسعى إلى تسليط الضوء على العديد من الحقائق.

أنا من أنصار العدالة النزيهة والنظيفة، وأظن أن الدفاع واع بمهمته، كما أن الرأي العام يتابع باهتمام مجريات الأمور، وله دور كبير في حماية الحريات حتى لا تتم إعادة تكرار مثل هذه الأحداث، لأنه ليس من مصلحة الدولة، في المستقبل، أن تتساهل في تكميم الأفواه. المغرب جزء من المنتظم العربي والدولي، ولا يمكن أن يتخذ القرارات بشكل سري، والفضاء الأزرق أصبح يعري كل شيء، والجيل الجديد يعبر عن رأيه داخل هذا الفضاء الذي يمنح الحرية ويفسح المجال لتقابل الأفكار والتصورات. إن خنق الحريات والحد من إمكانيات التعبير المستقل لا يؤديان إلا إلى ردود الفعل، التي نريدها أن تكون ردود فعل إيجابية ولا نريدها سلبية.

بالنظر إلى مجموعة من الأحداث التي تعرفها المملكة في الفترة الأخيرة، هل تعتقد أننا أمام تحول جديد في المشهد السياسي؟

المغرب مثل جميع الدول المتخلفة، التي تعاني شعوبها تخلفا اقتصاديا وفكريا وحداثيا، ومنعتها عوامل متعددة من الوصول إلى وعي يجعلها قادرة على فرض حريتها وحقوقها والدفاع المستميت عن حفظ كرامتها. وعلى الرغم مما قدمته الحركات التقدمية من تضحيات، فإنها أخذت تفقد مكانتها الريادية في الفترات الأخيرة، ليس في المغرب فحسب، بل في عدة مناطق. فحركة 20 فبراير راكمت تجربة مهمة، واستطاعت تجاوز الركود السياسي والإيقاع الرتيب الذي كانت تعانيه الحياة السياسية بالمغرب، غير أن حكومة ما بعد دستور 2011، أوقفت دينامية هذه الحركة، وأفرغت كل مكتسباتها من جوهر أهدافها، حيث لم ترفع من منسوب مكافحة الفساد والاستبداد والحد من الفوارق الاجتماعية والعدالة المجالية، ومع ذلك، فإن النفس الاحتجاجي للحركة مازال مستمرا، لأن الشعوب من طبيعتها ألا تتوقف في مسارها عن تطوير مستوى كفاحها وتراكم تجاربها الناجحة والفاشلة، لذلك، بالنسبة إلينا فإن المشهد السياسي يعيش وضعية هشة، لأن الطريقة التي تم بها تشكيل الحكومة ليست صحية، وتبين أنه ليست هناك رغبة حقيقية في تحقيق المزيد من الانفتاح الديمقراطي في المجتمع المغربي، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وهذا تتحمل فيه الدولة مسؤوليتها لأنه دليل على عدم القبول بالرأي الآخر.

هل تعتقد أن المسار السياسي الذي بدأ بعد دستور 2011، يمكن إنهاؤه بإعلان انتخابات سابقة لأوانها؟

ما هي مصلحة الدولة في ذلك؟ إلا إذا اعتبرت أن الطريق أصبح غير سالك لبناء البديل عن الاختيار الجماهيري الحر، وهو ما سيحيلنا على مآسي مرحلة سابقة، حيث عملت الدولة على تأسيس أحزاب مرتبطة بالإدارة تعيش منها وبها، وهي تجارب فاشلة كان تأثيرها كارثيا على الدولة والمواطنين، وعمقت تأخر البلاد، وحرمتها من فرص حقيقية للرقي بالمجتمع والإنسان المغربي، لذلك، نعتبر أن خيار الانتخابات السابقة لأوانها لن يصل إلى مبتغاه المنشود، ولن يحل الأزمة التنموية وديمقراطية المؤسسات.

ارتباطا بما تقوله، ما هو رأيك في ما يجري حاليا من نقاش سياسي محتدم يكشف، في جانب منه، أن حزب التجمع الوطني للأحرار يعد نفسه ليكون بديلا عن البيجيدي؟

أظن أن صنع الخريطة السياسية عبر عن فشله كما سبقت الإشارة إلى ذلك. إذا تم خنق الانفتاح الديمقراطي بالمغرب بعيدا عن اختيار صناديق الاقتراع، التي تعد وسيلة من وسائل التعبير عن رأي المجتمع المغربي، أعتقد أن البلاد ستمر بأوضاع مخنوقة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى بروز ردود فعل غير سليمة. دون أن ننسى أيضا أن الجيل الجديد أصبحت له طموحات مغايرة، وأصبح يكسب الوعي بسهولة، لذلك، فإننا نؤكد أن بلادنا ينبغي أن تتمتع بالحريات، وأن تكون الصحافة حرة، وأن تتمتع الأحزاب بقوانين تضمن لها المشاركة في الاختيار الديمقراطي بكل حرية وتنافس شريف على برامج واختيارات اقتصادية واجتماعية واضحة، للإسهام في التقدم الاقتصادي والاجتماعي للمغرب.

بعد دستور 2011، كان من المفروض اكتساب المزيد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع هامش الحريات. هل هناك جهات تعرقل هذا المسار؟

أظن أنه ليس هناك إرادة حقيقية لتحقيق ما جاء به الدستور من مكتسبات وحقوق وتدبير مختلف للسلطة، فالأحداث التي وقعت سنة 2011، خلقت واقعا جديدا شعرت الدولة معه بتحول في نوعية الاحتجاج وإيقاعه، فقامت بتقديم تنازلات، وأقرت بضرورة التغيير ومراجعة دور مختلف السلطات، إلا أن الحكومة التي جاءت بعد إقرار الدستور لم تمارس صلاحياتها، ورفعت شعار عفا الله عما سلف، ولم تكن في مستوى القيام بدورها الدستوري، إذ كان عليها أن تتشبث بوجهة نظرها، وتعمل وفق ما تخولها القوانين إياه، وتكون لها الإرادة الكاملة لتطبيق الدستور الذي اتفق عليه رئيس الدولة، على الرغم من أنه لم يكن، في كثير من جوانبه، يستجيب لكل رغبات وتطلعات كل القوى السياسية التي ناضلت من أجل التغيير، وإن كان في مجمله خطوة مهمة كان من الواجب التشبث بها، وهذا من الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة، دون أن ننسى أنها طبقت توصيات المؤسسات المالية الدولية بحذافيرها، كما أن علاقتها بالمنظمات النقابية والاجتماعية كانت محدودة جدا بل متوترة، كما انفتحت على اقتصاد الريع، وغضت الطرف عن المضاربين وفيالق المفسدين، ولم تنفتح على الاقتصاد المنتج الذي يمنح إمكانيات الشغل وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

أظن أن مراجعة الأخطاء أمر إيجابي، بالنظر إلى كل ما يقع بالمغرب من احتجاجات، فما تعرفه البلاد من احتجاجات ومواجهات كفيل بأن يدفعنا جميعا إلى العمل على مراجعة التجربة وما خلفته من سلبيات على الإنسان المغربي وآفاق تطور واقعه. أظن أن التسويات الوهمية لا تحل المشاكل، التي ينبغي حلها ببرامج عملية ومقنعة تحقق نتائج إيجابية، فالترقيعات لا تحل مشاكل المغرب، وعلينا تحقيق خطوات مهمة بالاستجابة لمطالب أغلبية فئات المجتمع، وفي مقدمتها تكريس المزيد من الحرية والديمقراطية، وحل المشاكل الاجتماعية والصحية والاقتصادية.

loading...

تعليقات الزوار

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني