“في حوار خاص مع”اليوم 24” .. الشقوري يحكي عن فظائع التعذيب في “غوانتنامو

الشقوري الشقوري

لم يكن الحديث مع يونس الشقوي، المعتقل السابق بقاعدة غوانتانامو الأمريكية، بالأمر الهين، حيث عاش رحلة من العذاب، استمرت قرابة 14 سنة من التجويع، والتنكيل، و”التعليق”، والتعذيب النفسي اليومي.

وعلى الرغم من الألم، الذي يعتصره، فتح “الشقوري”، قلبه لقراء “اليوم 24″، وكشف الكثير من الفظائع، التي ارتكبت في حق المعتقلين في غوانتانامو في كوبا، والتي تتناقض مع أبسط قواعد حقوق الإنسان، التي تتخذها الولايات المتحدة شعارا لها.

الشقوري قبض عليه بالخطأ من طرف القوات الباكستانية، خلال حملة للقبض على مقاتلي تنظيم القاعدة، عام 2001، فقضى خمسة أشهر حبسا في معتقل قندهار، وقضى 13 سنة وثمانية أشهر سجنا، في معتقل غوانتنامو في كوبا، دون توجيه أي تهمة إليه، إذ تمت تبرءته، عام 2009، مع نهاية ولاية بوش.

وكان قد أُعلن عن إمكانية عودته إلى المغرب، إلا أنه رفض ذلك، ومع ولاية أوباما، تم تكوين لجنة، لإعادة محاكمته، فبرئ من طرفها، إلا أنه رفض ترحيله إلى بلده، بسبب ما يروج حول المغرب بأنه يعذب المعتقلين..، لكن المفاجأة، أن “المغرب كان أكثر الدول، التي احترمت إنسانية يونس الشقوري، حيث حصلت على البراءة، وعوملت بشكل جيد، سواء من طرف الحموشي، ورجاله، أو السجانين في سجن سلا”، على حد تعبيره.

 – كيف استقبلت قرار ترحيلك إلى المغرب، بعد حكم البراءة، الذي أصدرته المحكمة الابتدائية في أمريكا؟

قرار دخولي إلى المغرب لم يكن بالأمر السهل، ويوم ألقي علي القبض في قندهار، وخلال أول لقاء لي مع المحققين الأمريكيين، تأكدت من أنني سأعيش أياما عصيبة.

 بعد اعتقالي، قدم إلي المحققون وثيقة، منسوبة إلى وزارة الداخلية المغربية، وجاء فيها: “نطالب بإرجاع يونس الشقوري إلى المغرب، باعتباره مجرما خطيرا، ومن الأشخاص، الذين شاركوا في أحداث 11 شتنبر، ونطلب من السلطات الأمريكية تسليمه إلينا”، فنظرت إليها، وضحكت في داخلي، وقلت الكذب الأمريكي لن ينطلي علي، إذ انتبهت إلى أن اسمي مكتوب بشكل خاطئ، وعلى الرغم من كون شعار الدولة المغربية موجود، إلا أن أسفل الورقة، لا يوجد أي توقيع، أو اسم للجهة المصدرة للمراسلة.

كنت متأكدا من أن الأمريكيين يكذبون، ويحاولون تهديدي بالترحيل إلى المغرب، حيث سيتم تعذيبي هناك، وعدم فهمي، خصوصا أنه كان يروج أن السلطات المغربية تعذب المعتقلين على ذمة ملفات الإرهاب بشكل ممنهج، ما يجعل خيار العودة إليه أمرا صعبا.

وعلى الرغم من كل أنواع العذاب، الذي عشته في غوانتنامو السيئ الذكر، خضت معركة طويلة جدا في المحاكم الأمريكية من أجل البقاء هناك، وكنت أفضل ترحيلي بعد صدور قرار براءتي، إلى أي دولة أوربية، وألا أعود إلى المغرب، خصوصا أن والدتي توفيت بعد هجرتي ببضع سنوات، وتوفي والدي بعدها بسنة واحدة، فكانت عودتي إحراج لعائلتي، وخوف من المجهول بين يدي الجهة، التي ستستقبلني في المغرب.

وبعد ست سنوات، بدأت فكرة العودة إلى المغرب تنضج، وأخذت قراري بأن أعود إلى المغرب، خصوصا بعد منح السلطات المغربية ضمانات للمحامي، الذي يمثلني بألا أتابع قضائيا.

ورجعت إلى موطني، فكانت المفاجأة، وجدته بلدا جديدا، وبعقول جديدة، وحظيت بمعاملة غير متوقعة، أكدت لي أن الكوابيس، التي كنت أعيشها لسنوات كانت مزيفة، نعم خاب ظني لأني كنت أعتقد أنه سيتم إطلاق سراحي، إلا أنني، وعلى الرغم من قرار قاضي التحقيق بمتابعتي، عوملت في بلدي بشكل إنساني، وتم التعامل مع قضيتي بكل موضوعية، سواء من طرف مدير الأمن، عبد اللطيف الحموشي، وأتباعه، أو مدير سجن سلا، وكل الحراس، والموظفين هناك.

 

– ماذا كان حلمك بعد ترحيلك إلى المغرب؟

حلمت بأن أقضي عيد الأضحى مع أهلي، إلا أن قاضي التحقيق قضى بمتابعتي في حالة اعتقال، وقضيت العيد بعد 27 سنة من الغربة، في سجن سلا، وعوض أكل “بولفاف” مع أسرتي، كان فطوري بـ”زلافة حريرة”، وعلى الرغم من ذلك، كانت أجمل وجبة أتناولها بعد الفترة، التي قضيتها في غوانتنامو الرهيب.

لا أخفيك، في المغرب، وعكس ما كنت أتوقعه، شعرت بإنسانية المواطن المغربي، سواء السجناء، أو الموظفين، شعرت باطمئنان، وكنت متأكدا بأن محاكمتي ستكون عادلة، وسأنال براءتي، لأنني فعلا بريئ، ولا علاقة لي بكل التهم، التي نسبها إلي الأمريكيون.

– هل حاول بعض معتقلي ملفات “الإرهاب” التقرب منك، لأن ملفك يتعلق أيضا بـ”الإرهاب”؟

في أول يوم، وضعوني في سجن انفرادي، لكني طلبت وضعي مع باقي المعتقلين، بعدها وضعت ورقة على جدار الزنزانة، التي تجمعني بعدد من السجناء على خلفية ملفات “الإرهاب”، وكتبت في الورقة: “لا أسمح لأي أحد أن يجادلني في أي قضية، سواء شرعية، أو سياسية، أو يسألني عن كل ما يتعلق بي، إذ كان كل ما يجمعني بهم هو المحبة الخالصة، لكي نعيش المحنة إلى حين يأتي الفرج..

وهكذا، لم يتجرأ أي أحد أن استفساري عن أمور تخصني، خصوصا أن الجميع كان يعلم أني كنت سجينا في غوانتنامو، ويريد معرفة ما يحدث هناك، إلا أنني أغلقت الباب في وجه أي شخص يفكر في محاولة تجنيدي. وفي السجن السلفيون منقسمون إلى قسمين، “أتباع الدولة الإسلامية”، و”القادمون من سوريا”، وهناك معتقلين “عاديين”، تم القبض عليهم بسبب أفكارهم، بعد تبنيهم الموجة العالمية الجديدة.

 

-فيما يتحدث المعتقلون على خلفية ملفات “الإرهاب”؟

في السجن، الكثير من المعتقلين يعيشون على متابعة أخبار سوريا، والعراق، ويتعاطفون مع الأحداث اليومية، التي تقع هناك.

بالنسبة إلي، هذه المرحلة عشتها من قبل، ولم تعد لدي قابلية لمناقشة أي أمر، يتعلق بالإرهاب، أو المنظمات الإرهابية، ولا حتى تتبع ما يحدث في سوريا، والعراق.

– ما الفرق بين أيامك في سجن سلا وسجن “غوانتنامو”؟

(يضحك)، لا وجه للمقارنة بينهما، في سجن سلا كنت أؤكد للسجناء أنهم يعيشون في سجن خمسة نجوم، فلا مجال للمقارنة بين ما يحدث في سجن “غوانتنامو” السيئ الذكر، وسجن سلا.

سجن “غوانتنامو”، يعتبر مكانا للحرمان بمعنى الكلمة، الإنسان حين يعيش هناك، يكون خارج كوكب الأرض، والزمن، بينما يتناول السجناء هنا في المغرب كل “الشهيوات”، التي تعودوا عليها في بيوتهم، لا يعانون الحرمان، كل شيء متوفر، من اللباس، والعصائر، وأنواع الأكلات الشهية..، هنا يحرم السجين فقط من حريته.. على عكس هناك يفقد كرامته، وإنسانيته.

هناك، في غونتنامو، كل ما عاشه المرء في الماضي يصير حلما يستحيل حدوثه مرة أخرى، الحرية حلم، الأكل حلم، لقاء الأحباب والأصدقاء، والإنسانية حلم..، كل شيء مؤلم هناك، نتألم ونحن نرى الأكل، نتألم ونحن نتناوله.. على الرغم من أننا نتناوله بشراهة.. نتألم من الجوع.. نتألم من العطش.. ونتألم من العبث بكرامتنا، يوما بعد يوم.

مسألة التغذية نفسها كانت أسلوبا من أساليب التعذيب، في البداية كان يتم تجويعنا بشكل ممنهج، ففي كل 12 ساعة يتم تقديم وجبة غير كافية أصلا..، وكلما أتذكر هذه الأمور أتنهد وينتابني حزن عميق.

وفي قندهار، حيث قضيت خمسة أشهر، وكانت تلك الفترة عنوانا لجحيم حقيقي، كنت أتمنى الهروب، وأنا أحمل معي علبة مليئة بالطعام، (يضحك والألم يعتصره)، هذا حلم طالما راودني بسبب تجويعهم لنا.

ومن ذكريات “التجويع”، أننا كنا في قندهار نجتمع “ثلاثة سجناء”، فنتحدث عن الطعام، كل منا يختار أكلة معينة، فيحكي عن طريقة تهييئها، وطهيها، وتقديمها… ومن شدة الجوع كان بعض منا يسقط مغمى عليه.

أما بالنسبة إلى الماء، فكانوا يمنحوننا قارورات من الماء، بداخلها “باعوضا”، و”ناموسا”، لا نعلم من أين يتم ملؤها، لكن في الغالب كنا نشرب من صنابير، ماؤها كان أيضا متسخا.

أذكر أن الماء كان أيضا وسيلة للتعذيب، حيث يتم منحنا قارورة مغلقة، بعدها يمنحوننا قارورة مفتوحة، حينها نشعر بالإهانة. كانوا يعذبوننا في كل ثانية، أثناء النوم، وخلال الاستيقاظ، وفي الفسحة، وأثناء تناول الطعام، وأثناء المرض، بل التعذيب أيضا في اللباس، وخلال الاستحمام، الذي يتم بماء متسخ.

– لماذا اختيار اللباس البرتقالي في غوانتنامو؟

(يتنهد) اللباس البرتقالي تشتهر به السجون الأمريكية، هو عنوان لـ”الظلم والمهانة”، ورمز لـ”غوانتنامو الرهيب”، ارتدينا هذا اللباس لخمس سنوات، وبعد تدشين معكسر رابع بمواصفات معينة، سألونا عن اللون، الذي نريد ارتداءه، وكمسلمين أجبنا أن اللباس المناسب هو الأبيض، لكي نصلي به، وفعلا جاؤوا بلباس أبيض فخيرونا بمنحه لنا مقابل أن نتعاون معهم، ونعترف بأمور معينة.. وفي حال الرفض يفرضون علينا اللباس البرتقالي لتعذيبنا نفسيا.

بعد ذلك، صرنا نرى اللباس البرتقالي رمزا للإهانة، والمذلة، شاهدناه في “داعش” حيث يرتديه الأشخاص، الذين يتم ذبحهم، أو قتلهم، ورأيناه، أيضا، في ليبيا لما تم ذبح الأقباط، صار رمزا للظلم، والانتقام من أمريكا نفسها.. لنتوقف قليلا أشعر بتعب حينما أحكي هذه الأمور.

– بعد اعتقالك، هل كنت تعلم بالتهم المنسوبة إليك؟

(يضحك) كانوا يقولون لي، “أمسكنا بشبكة تضم “حوتا” كبيرا، وآخر صغيرا، وكنت أنا “الحوت” الكبير بالنسبة إليهم، فكنت أقول لهم، أنا لست إلا “سردينة” صغيرة”، كنت أؤكد لهم أني بريء، وسوف تثبت براءتي بإذن الله، مهما طال الزمن.

وفيما يتعلق بالتهم، ففي “غوانتنامو”، كانت المفاجأة، بعد القبض علي، منحتهم كل المعلومات، التي تخصني، كنت في إسلام آباد، ومعلوماتي موجودة في السفارة المغربية هناك، وفعلا حصلوا عليها، لكن، من خلال أسئلتهم، تأكدت أنهم يبحثون عن تهمة ينسبوها إلي، كنت متأكدا أنني سأعيش محنة كبيرة.

كنا قرابة 700 معتقل، من بينهم أخي رضوان، الذي تم اعتقاله، أيضا، وكانوا يضغطون عليه من أجل الاعتراف علي بأنني أنتمي إلى القاعدة، أو أي تنظيم مغربي، أو حتى تاجر مخدرات.. أي تهمة، مقابل ترحيله إلى ألمانيا، حيث يوجد خالي، أو إلى إيطاليا.. أو أي دولة أوربية، ومن جانبي كنت أتعذب نفسيا، لأنهم يستفزونه نفسيا، ويعذبونه جسديا، من أجل الاعتراف بشيء غير موجود.

 حينها، اتفقت مع أخي أن نلعب عليهم لعبة ذكية، بأن يحكي لهم أنه إنسان عاد، وبالفعل كان إنسانا عاديا- وفي المقابل “أضخم” أنا من نفسي ولو أني بريء، ولا علاقة لي بالإرهاب، وذلك من أجل إنقاذه من العذاب، الذي يتعرض إليه بسببي.

تصوري، أنهم ولمدة ثلاث سنوات كانوا يحققون معي فقط حول مؤسسات الإغاثة الإسلامية، عن أعمالها، وترتيبها، وأهدافها، وتمويلها، ومديريها، كانوا ينجزون دراسة حول المؤسسات الخيرية الإسلامية، ويعتبرونها وسيلة لتمويل الإرهاب الدولي، وكان الهدف من ذلك جمع معلومات، لأن الولايات المتحدة الأمريكية دخلت هذه الحرب، وهي لا تملك معلومات سابقة عن المجتمع المسلم، فكان المعتقلون هدفهم للتعرف على البلدان الإسلامية.

كنت أستغرب من كيف يحققون معي حول هذه المؤسسات، فيما كان القبض علي في البداية من أجل الإرهاب، لكن، انتبهت إلى أن وجودي كان من أجل جمع المعلومات عن الدول الإسلامية، والعربية،  إذ إن أدق التفاصيل كانوا يسألون عنها، وكأني مجند أو جاسوس أمريكي، يحاولون إغراءه بتقديم “بقلاوة”، أو “سنيكرز”، أو “مشروب” لخيانة بلده.

ومن النكت، التي عشتها هناك، حين تم اعتقالي، وخلال التحقيق قدموا لي عصير “بيبر”، حين شربته قلت لهم هذا ألذ مشروب تناولته في حياتي، فصاروا كلما جاؤوا بي إلى التحقيق وضعوا العصير فوق المائدة، فأضحك في نفسي، وكأن هذا المشروب سيجعلني أكذب، وأورط أبرياء لكي أتناوله.

وطبعا كان التحقيق كله ترهيب، وترغيب، إذ كانوا يسألون في كل شيء، ويحاولون معرفة أدق التفاصيل عن المعتقل، الذي أمامهم، ماذا يحب في اللباس، والأكل، والشراب، والمجلات، التي يحب الاطلاع عليها، وكانوا يساومونني، أنا، وأخي رضوان ببعضنا، كانوا يقولون لكل منا “إذا كنت تريد أن تكون مع أخيك، يجب أن تتعاون معنا”، ويساومون آخرين بمنحهم مجلات إباحية، وآخرين بتقديم وجبات مميزة.

الحمد لله تمت تبرئتي خلال محاكمتي في أمريكا بعد 13 سنة من العذاب الشديد، وأتذكر أنه يوم النطق بالحكم في حقي، حدث زلزال في المحكمة، وهرب الكثيرون، وحين حكت لي المحامية، التي دافعت عني هذا الأمر بكيت، حينها كانت هي أيضا تبكي، وضحكنا حين قالت لي إنها حملت حقيبتها، وهربت حين شعرت بالزلزال، فكان القاضي ينادي عليها، ويبلغها قرار تبرئتي، فقالت له “أحب يونس، لكن أحب زوجي، وأبنائي أكثر منه..سأذهب للاطمئنان عليهم”.

– كيف كنت تتعامل مع أسئلة المحققين، وسط الرعب الذي كنت تعيشه في غوانتنامو؟

(يضحك)، في البداية كنت أتحدث معهم بكل ثقة، لأثبت براءتي، لكن حين انتبهت إلى أنهم يبحثون لي عن تهم، وأنني في رأيهم مدان بالقوة، على الرغم من انتفاء أي دليل أنني أنتمي إلى أي شبكة، أو تنظيم إرهابي، صرت ألاعبهم بطريقتهم، في مرة قلت لهم إن كنيتي هي “عبد الحق المغربي”، وانتظرت ماذا سيكون رد فعلهم، وبشكل مضحك، أخبروني في اليوم الموالي أن أشخاصا تعرفوا علي باسم “عبد الحق المغربي”، فكنت أضحك، وأقول لهم إن هذا الاسم من اختراعي، وأنا في معتقل في غوانتنامو، كيف سيتعرف علي هؤلاء من اسم غير موجود، ومن ابتلاء الله أيضا أن سوريا اسمه عبد الرحيم تم القبض عليه صحبة شخص من العراق، بتهمة التجسس، قال لهم حين رأى صورتي إن اسمي “أبو عبد الرحمان”، وأنني مصري الجنسية، وأكد لهم أنني قمت بتعذيبه في معسكرات القاعدة.. وعلى الرغم من أني لم أتعرف على هذا الشخص مطلقا في حياتي، لكن بعد ذلك فهمت أنني أشبه أحد المصريين، الذي كان ينتمي إلى القاعدة.. في غواتنامو، كنت أحيانا في نظرهم مصري الجنسية، وواجهوني مرة أخرى بأنني “طاجيكي”..

أما التهم المنسوبة إلي، فكانت عبارة عن “كوكتيل متنوع”، اتهموني بأنني “أنتمي إلى الجماعة المغربية المقاتلة، وهي غير موجودة في الساحة، وأدبياتها تشهد لها بذلك، بل معروف أنها توجد في ليبيا.

فعلا، كان هناك بيت اسمه “المجاهدة”، كان للمشردين المغاربة في أفغانستان، كنت أمكت فيه، ولدي بعض الأصدقاء هناك، لكن لا علاقة له بما يسمى بالجماعة المغربية المقاتلة، ولم يكن أصلا يشكل أي تنظيم”، كنت أضحك حين يواجهونني بهذه التهمة، وأؤكد أن لا وجود للجماعة المقاتلة المغربية، لكن حين أتيت إلى المغرب، عرفت بأن أشخاصا حوكموا على خلفية الانتماء إلى هذه الجماعة.

وأود هنا أن أوضح أن أحداث 11 شتنبر غيرت كل العالم، وصرنا نعي حقبة تاريخية جديدة، هذه الأحداث قلبت الموازين، قبل هذا التاريخ عن الجهاد الأفغاني، أفتى عدد من المشايخ بالجهاد في كل دول العالم، وكان المجاهدون الأفغان يغادرون المغرب، ويعودون إليه بشكل عاد، ولم يكن الأمر يتعلق بالإرهاب، لكن بعد أحداث 11 شتنبر، تغير كل شيء، وصار الجهاد مرادفا للإرهاب، وللأسف الشديد تبنت المجموعات القتالية فكر الإرهاب بدلا من فكر الجهاد.

 

– سنعود بك إلى ذكريات “غوانتنامو” الأليمة.. ما هي الأشياء أو الصور التي بقيت عالقة في ذهنك؟

“غوانتنامو” مرادف للتعذيب، والمهانة، والذل، والحرمان.. وكل شيئ سيئ في الوجود، “بوش أكبر إرهابي في العالم”، وكان يمارس الإرهاب على المعتقلين في “غوانتنامو” ليل نهار، كان التعذيب ممنهجا، وبشكل شيطاني، هناك سلبت منا كل الحقوق، إنسانيتنا، كرامتنا…، وهناك، صرنا عبيدا، ليس لنا أي حق في العيش، لكن كان يجب أن نبقى على قيد الحياة، كانوا يتفضلون علينا بأنهم يقدمون لنا ثلاث وجبات في اليوم، “فماذا نريد أكثر من هذه الحياة؟”.

وهنا يجب أن أوضح شيئا، ففظائع التعذيب في قندهار أكثر من غوانتنامو، وكل ما ترونه من أفلام في التلفزة، تتعلق بتعذيب أسرى الأمريكيين في قبضة الفيتناميين حتى يتم التعاطف مع الجندي الأمريكي، هو نفسه التعذيب، الذي كنا نتعرض إليه، بل أسوء من ذلك، إذ كلما أخذوننا إلى التحقيق، كبلوا أيدينا، ووضعوها في الخلف، وروسنا في الأرض، وبكل الألم الذي نشعر به، كانوا يضربوننا على طول الطريق (مائة متر تقريبا)، ويقولون “أنت من القاعدة..”، كنا نتمنى أن تنتهي المسافة.

كانوا يهينوننا في عقيدتنا، يوميا، بتمزيق القرآن الكريم، والرمي به وسط الفضلات، وخلال الصلاة يغنون، أو يضربوننا بالحجارة، وخلال السجود يأتون لأخذ أحد منا.

أتذكر أنه في إحدى المرات كنا نصلي جماعة، وكان الشخص، الذي يؤمنا هو سفير حكومة الطالبان، وكنا ساجدين، فجاؤوا لأخذ شخص بيننا للتحقيق معه، فوضعوا أرجلهم فوق ظهر الإمام، ويضغطون عليه بأحذيتهم، وينتظرون رد الفعل، كان الجميع ساجدا من أجل الصلاة أولا، وشدة الخوف ثانيا، حينها انحنى الشخص المعني لربط يديه، وحين أخذوه رفعنا رؤوسنا.

وفي يوم من الأيام، حين كان أحد القسيسين يتكلم معنا، محاولا إغراءنا لقراءة الإنجيل، طلبنا منه أن يمنحنا إياه لنطلع عليه، وصدفة وضعت الإنجيل بجانب القرآن الكريم، وحين أتوا للتفتيش، يصيحون كالمعتاد، ويضربوننا من دون سبب، ويبعثرون ملابسنا، لم يمزقوا القرآن مثل عادتهم، لأنه كان موضوعا في جانب الإنجيل، فصرنا نضعهما معا، لحماية القرآن.

ومن وسائل التعذيب، والإهانة، أيضا، أنهم لا يسمحون لنا بالاغتسال، إذ حدث مرة لم نغتسل لمدة خمسة أشهر، فكنا نغتسل بطريقتنا من الجنابة، نثقب قارورة، نمسح بها جسمنا تحت الغطاء، وإذا ما انتبه الحارس إلينا، يعاقبنا بالجلوس على أرجلنا لمدة ساعة، أو الانبطاح على الأرض الصلبة.

وحين يسمحون لنا بالاغتسال، كنا “نتعرى” أمام بعضنا، ومن الأمور، التي أعتبرها “قهرا” لنا، أنني خلعت ملابسي أمام أخي رضوان، وقمت بنزع جميع ملابسه لأن يده كانت تؤلمه، والجنود، والجنديات الأمريكيون يضحكون، ويصوروننا “كأنهم في ملهى ليلي”، وسكبنا على بعضنا ماءً باردا متسخا، و”صابونة” لا رائحة، ولا “رغوة” بها.

حتى الملابس، كانت وسيلة للتعذيب، والإهانة، كنا “نجبر” على ارتدائها بالقوة حتى لو كانت أصغر منا، أحيانا نصادف بعض الجنود يمنحوننا ملابس تلائمنا، وحين نرتديها يمزقونها في اليوم التالي خلال التفتيش، فتظهر عورتنا، ونصير في حالة يرثى لها…

في ذلك المعتقل الرهيب، كان اليوم بمثابة الشهر، كل شيء هناك غير طبيعي.. كانوا أحيانا يعاملوننا مثل الحيوانات، وكنا نعيش معركة يومية مع العساكر، الذين يتلذذون باستفزازنا.

كانوا يفرضون علينا قضاء حاجاتنا، في “سطل”، أمام عشرين معتقلا، وبحضور جنود، وجنديات يغنون، وينتشون برؤيتنا.. قوم لا حياء، ولا إنسانية لديهم، سواء في “قندهار”، أو “غوانتنامو”.

وفي “غوانتنامو” عشت ألما مستمرا، لم يتوقف التحقيق معي، وتعذيبي جسديا، ونفسيا إلا حين خرجت من هناك، وعدت إلى المغرب، أتذكر أني كنت أعاني من ألم شديد، وأحتاج إلى لباس داخلي طبي خاص، فكان المحقق يطلب مني الاعتراف مقابل ذلك اللباس، وأحيانا، ومن شدة الألم كانت أمنيتي أن أحصل على ذلك اللباس الداخلي حتى لو لم تتم تبرئتي، كنت أطلب من المنظمة، التي تدافع عني أن يطلبوا من القاضي الحكم بأن يمنحوني هذا اللباس فقط، حتى لو لم يبرئني من التهم المنسوبة إلي.

لكن الحمد لله، كل الألم الذي عشناه داخل معتقل “غوانتنامو” الرهيب، كان سببا في نضال العديدين وراء الأسوار من أجل إغلاقه، حيث أعتبر أن هذا الأمر من الجوانب المشرقة لوجود “غوانتنامو”، بالإضافة إلى وجود بعض الجنود -على قلتهم- كانوا “إنسانيين”، يحاولون مساعدتنا، ولو أن مصيرهم في حال انتبه إليهم أحد هو العقاب الشديد.

 

– 13 سنة كنت محروما من رؤية زوجتك، هل كان هناك تواصل عبر الرسائل، أو الاتصال عبر الهاتف؟

27 سنة لم أر خلالها أهلي، و13 سنة، لم أقابل فيها زوجتي الجزائرية، ولم أكن أعلم عنها أي شيء، لكن بعد مرور 7 سنوات، صرت أتواصل معها عبر الرسائل، بل كان الهلال الأحمر ينظم اتصالات بالفيديو بيننا، حيث كنا نرى بعضنا لدقائق، ربع ساعة، ثم صارت نصف ساعة، وأخيرا ساعة.. لكن، أحيانا لا نقوى على الكلام، نبكي فقط، ونتألم على فراقنا.

وعودة إلى سؤالك، كنت أكتب لزوجتي عشرات الرسائل، كلها مشاعر حب، وأمل في غد أفضل، كنت أتقمص شخصية روميو، ونزار قباني.. حيث أعيش في رسائلي إليها كل مشاعري، وأحلامي، يوما فكرت أن أكتب إلى ابنتي غير الموجودة في الواقع، والتي كنت أتمنى أن أرزق بها، واسميها فاطمة الزهراء، وكنت أخاطبها في رسائلي على أساس أنها موجودة، فأحاكيها، وأصف لها مشاعري، وأعدها بأمور سأحققها لها بعد انتهاء محنتي.. والغريب أنهم صاروا يبتزونني بابنتي فاطمة الزهراء من أجل الإدلاء بمعلومات.. وأحيانا كانت فترة التحقيق معي تتعدى خمس ساعات متواصلة من أجل الضغط علي للاعتراف بانتمائي إلى تنظيم القاعدة، مقابل خروجي لمقابلة ابنتي فاطمة الزهراء، فكنت أضحك لأنها في الأصل لا توجد إلا في مخيلتي.

وبعد حصول الطلاق مع زوجتي الجزائرية، التي عشت معها سنوات من الأمل، والحب بسبب بعض المشاكل العائلية، شاء القدر أن تتحقق أمنيتي، وأرزق ببنت، من زوجتي الثانية، وعلى الرغم من محاولاتها تسميتها “جنان”، إلا أن اسمها كان في مخيلتي منذ سنوات، إذ طالما داعبت فاطمة الزهراء، ولعبت معها هروبا من واقع المعتقل.

لكن، وعلى الرغم من كل ما حدث، لم أندم على كل ما مررت به في حياتي، حتى مراحل التعذيب، التي عشتها، حيث كانت بعض الجوانب المشرقة، إلى جانب ألم كبير، وكان الصليب الأحمر يقدم مساعدات إنسانية كبيرة لجمع المعتقلين وعائلاتهم، وكان من دافعوا عني في أمريكا غير مسلمين، كما سبق أن تعاطف معي وعائلتي في ألمانيا، أشخاص، أيضا غير مسلمين، وشنوا حملة من أجل إطلاق سراحي.

 

 

 

 

 

 

 

 

loading...

تعليقات الزوار

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني