الرجل المريض

منير ابو المعالي منير ابو المعالي

مرِض إدريس لشكر.. لكن، كيف ينبغي لنا أن نهتم؟ حاول مريدوه، قليلو العدد، تسويق مرضه وكأنه نبأ جلل. وفي الظروف العادية، كان ينبغي فعلا أن يصبح مرض شخص في ذلك المنصب بذلك الحزب، قصة مغرية.
حسنا، لندع له بالشفاء. لكن الحقيقة أن مرض «قايد» الاتحاد الاشتراكي لم يعد يشكل خبرا، كما لم يعد مآل حزبه نفسه يعني أحدا سوى أولئك الذين مازالوا يعتقدون أن فرصتهم الأخيرة في «الكاريير» السياسي سيضمنها لهم لشكر.
قبل عام، أصيب عبد الرحمان اليوسفي بوعكة ألزمته الفراش، وهو رجل كان آخر عهده بالاتحاد الاشتراكي قبل 18 عاما، غير أن غرفته بالمشفى تحولت إلى محج للسياسيين، وزاره الملك مرتين متتاليتين. لشكر لم يسأل عنه أحد، باستثناء، ربما، أعضاء ما تبقى من مكتبه السياسي، أولئك الذين كان بعضهم مشغولا، في زمن اليوسفي، بحمل قنينات المياه إلى القياديين.
بين مرض ومرض، لم تكن هناك أي عدوى. كانت هناك تجارب سيئة، ثم ضربة قاتلة. لقد سُلمت مفاتيح هذا الحزب منذ أن وافق الاتحاديون على أن يصطفوا بجانب وزير أول تقنوقراطي، فرُمي بيان المنهجية الديمقراطية في سلة المهملات مباشرة بعدما جلس محرروه على كراسي الحكومة. ومنذ ذلك الحين، بدأ مسؤولوه يحصدون الريح. تحول الحزب من رقم رئيس في الحياة السياسية، إلى ما يشبه سيارة منفلتة من يد سائق مخمور. توالت النكسات فوق رأسه، من صندوق اقتراع إلى آخر، دون أن يقدم أي كشف حساب. بات تغيير قادة الحزب مثل وصفة طبيب مكررة لمريض تزداد حالته سوءا.
لم يأت لشكر لإصلاح شيء في بناية خربة، لكنه قدّر أن أفضل ما يمكن فعله هو هدمها فوق رؤوس أولئك الذين بنوها طيلة 50 عاما. فعل ذلك ثم توقف. ليس هناك وقت لبناء أي شيء من جديد.
هل بيع الحزب؟ طالما هاجم لشكر من يقول هذا، من داخل حزبه أو من خارجه. حمل أحمد الزيدي هذه الغصة في القلب إلى قبره، وتفرق شمل آخرين بين أحزاب اليسار الصغيرة، وانكمش أفضل الأطر على أنفسهم. وبقي لشكر يعكس صورة جديدة عن الحزب، يغذيها وجود مستشاره خالد عليوة، على يمينه، وهو المتابع في حال سراح حتى الآن على ذمة قضايا فساد.
لكن، ليس هناك أفضل من صور جنائز الاتحاديين أنفسهم لتلخيص قصة الاتحاد الاشتراكي اليوم. لشكر الذي لم يظهر في أي صورة وهو يذرف دمعا على شيخ اتحادي وهو يوضع في قبره، هو نفسه لشكر الذي تعهد بألا يفعل شيئا غير تصفية ميراث سابقيه.. لا مجال لدموع التماسيح.
أصبح الاتحاد عبئا على الدولة نفسها، وقطعة غيار في ماكينة اليمين التي لا تلقي بالا لمشروعية وسائل السيطرة إن كانت نتيجتها هي خدمة مشروع الدولة. أصبح اليسار عند الاتحاديين عملة صدئة، وتحول اليمين إلى «بيان شيوعي» مغرٍ في طريقته الجديدة لتوزيع وسائل الإنتاج. وببرودة، فإن أعضاءه، الذين أصيبوا فجأة بالحول بسبب ذلك، باتوا يسألون الغنم عن حقوق الذئب.
وهل ينفعه ذلك؟ الملكية الوحيدة التي يجري توزيعها الآن هي الاتحاد الاشتراكي نفسه. يظهر هذا الحزب في عهد لشكر مثل مريض يحتضر، حيث لا يترقب المتحلقون حول سريره سوى موته النهائي، فيما لا تصلح أنابيب الدواء الملتصقة بجسده إلا لجعله لا يشعر بوخز الرمق الأخير.
قبل يومين، نهض لشكر بصعوبة من مكانه في خيمة بالعيون، لكي يلقي خطابا حول الصحراء. ومثل رجل مريض، تصنّع حماسة زائفة، ودعا، وهو يلوح بيده اليمنى، إلى مطاردة العدو «زنقة، زنقة».
هكذا تكون النهايات عادة.