كن مثل مزوار

يونس مسكين يونس مسكين

قليلة جدا هي مسارات الشخصيات التي تجسّد كيف يصبح المستحيل ممكنا. لكن أغلبكم سمع بترشح وزير الخارجية السابق، صلاح الدين مزوار، وعنوان مسار هذه الشخصية المتفردة أن الفشل لا يعني التراجع والانسحاب، فقط احتفظ بثقة عالية بالنفس، و«جبهة» من فولاذ، وافشل ثم افشل حتى تصبح فاشلا بنجاح. جرّب مثلا أن تلتحق بصفوف الحركة الطلابية اليسارية في شبابك، كن قاعديا حتى، لكنّ شيئا لا يمنعك من أن تصبح حمضيا، وتتقلّد المناصب باسم «اليمين»، بل وتترشح لتصبح «باطرون الباطرونات». فقط كن مثل مزوار.
قد تصبح وزير المالية، وتنعم بكل ما ينفح به «بيت المال» مسؤوليه من تعويضات ومنح المجالس الإدارية، وتطمع رغم دلك في منحة إضافية، تتبادلها مع مسؤول يفترض فيه الخضوع لوصاية حكومتك. منحة عشرة ملايين منك كوزير للمالية إلى الخازن العام للمملكة، ترتد إليك منحة من ثمانية ملايين شهريا. وإذا ما خرجت أرجل الصحافة من «الشواري» وكتبت عن الموضوع وحققت في الفضيحة، ستصبح أنت الضحية وهي المتهم. سيأتون حتما بمن يلبس تهمة «إفشاء» السر، أأأما أنت فالعب «عطيني نعطيك» ولا تبالِ، فقط كن مثل مزوار.
قد تكون أنت «العلاف الكبير» في حكومة خرج الشعب ليهتف بإسقاطها، وتقدم، في الرمق الأخير من عمرها، على سحب مشروع قانون المالية من البرلمان بعدما أودعه رئيسك الوزير الأول، وتخرج بوجهك «الصلب» لتقول إنك فعلت ذلك بمبادرة شخصية كما لو أنك في ضيعتك الخاصة. فقط كن مثل مزوار.

ورغم أنه لم يعرف عنك يوما موقف سياسي ولا مشروع فكري، ستصبح أنت المعوّل عليه لتصبح رئيسا للحكومة، وتوضع على رأس رهان ساذج لاحتلال الصدارة، وثامن ثمانية لم تجمعهم سوى ضرورات الهيمنة. ستفشل من جديد، وستخرج بالصلابة نفسها لتعلن «اصطفافك» في المعارضة لأن الشعب لم يقبلك، ورغم ذلك ستمسي بعد شهور وزيرا للخارجية في الحكومة ذاتها التي صدّك الشعب عن بابها. كل ذلك ممكن، فقط كن مثل مزوار.

قد يخرج من يسرّب عنك رسالة يدّعي أنها جاءتك من وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، يخبرك فيها بأنه قام باللازم لتمهيد الطريق المهني أمام سلالتك، كما طلبت منه ذلك بمناسبة استقبالك إياه رسميا. لا عليك، الأمر هنا لا يستدعي الشرح أو التوضيح، بَلْهَ النفي، ارفع رأسك شامخا ثم دسّه في الرمل تماما كنعامة استرالية. هنا سينسون الأمر، وهناك سيرحل فابيوس ومعه هولاند وتبقى أنت. أما إذا أوقفوك يوما في مطار باريسي وأنت حامل حقيبة الدبلوماسية، فلا تقلق، فقط انزع حذاءك وحزام سروالك، ودعهم يفتشون. سيعرفون قيمتك يوم تطير إلى السويد وتقنع العالم بأنك «فعفعت» وزيرتها الشقراء دون شفقة. فقط كن مثل مزوار.
عد من جديد لتخوض الانتخابات بحزبك، لا يهم إن لم يكن لك «وجه» تعود به شخصيا إلى دائرتك الانتخابية، فأنت أكبر من ذلك. احصد هزيمة جديدة، واندحر بمقاعد حمامتك من 52 إلى 37 مقعدا. لا تقلق أبدا، كل ما عليك فعله هو «بات ما تصبح»، سلّم سرج الحمامة الزرقاء لمن أثبت «حنكته». عد من حيث أتيت، اختبئ في الظل، فقد احترقت كفاية. سيجربون لك أسمى المناصب «فردة فردة» حتى تجد ما يناسب مقاس كعبك العالي. أولا حقائب الحكومة، لا، لا، فقد انسحبت من الحزب بما يفيد الإقرار بالفشل. جرّب منصب والي بنك المغرب، لا، لا يناسب مقاسك. ما رأيك في خلافة السيدة التي باتت تنحني لها الحكومة؟ انهض، ستصبح كبير المقاولين. فقط حافظ على ثقتك، نعم أنت مقاول وسيّد المقاولين… فقط كن مثل مزوار.

loading...

تعليقات الزوار

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني