التحدي والاستجابة

التحدي والاستجابة

يمكن للتحدي أن يتحول إلى فرصة إذا تم التعامل معه بعقل استراتيجي، بعيدا عن ردود الفعل غير العقلانية. ينطبق هذا الأمر على التطورات الأخيرة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية نتيجة التصعيد، الذي يمكن أن يتحول إلى نزاع عسكري يعزز من حالة اللا- استقرار في منطقة شمال إفريقيا. كما يمكن أن يشكل مدخلا لتقوية اللحمة الوطنية وحل شامل للمشكل إذا تم استثمار الفرصة بشكل استراتيجي.

أمام هذا التحدي، يمتلك المغرب ثلاثة خيارات. أولا، حسم المعركة عسكريا من خلال الدخول في مواجهة مفتوحة مع جبهة البوليزاريو. من دون شك، فإن التفوق العسكري المغربي واضح وهو عنصر أساسي، ولكنه ليس كافيا لحل شامل. ليس فقط لأن النزاعات بين الجيوش النظامية والجماعات المتمردة ليست دائما محسومة بسهولة لصالح الجيوش النظامية، ولكن أيضا قد يفتح صندوق البندورا Pandora’s box، أي دخول المنطقة في متاهة لها آثار ومشاكل لا حصر لها.

الخيار الثاني، هو تكريس الوضع القائم عبر الاستمرار في المسار التفاوضي تحت رعاية الأمم المتحدة. وهو مسار يبدو طويلا وأحيانا غير مجد لإيجاد حل نهائي ومربح لكل الأطراف.

إذا كانت مخرجات الخيار الأول غير مضمونة العواقب، وإذا كان الخيار الثاني يكرس المزيد من الاستمرار بدون تغير، هل يمكن التفكير في خيار ثالث يكون فيه الجميع رابحا؟

الحقيقة أن المغرب لازال يمتلك زمام المبادرة ولديه الكثير من الأوراق ليلعبها. ومن هنا أهمية التفكير خارج الصندوق ورؤية الأشياء من منظور استراتيجي بدلا من ردود الفعل التكتيكية المبنية على الاستفزازات.

يمتلك المغرب خيارا ثالثا، وهو مسار غير تقليدي مبني على رؤية استراتيجية تركز على رفع جاذبية المغرب كواحة للديمقراطية والاستقرار في منطقة متوترة. فبغض النظر عن المكون الإيديولوجي للبوليزاريو، فإن من شأن تعميق الديمقراطية وتجذيرها، أن يفجر التناقضات الداخلية ويغري جيلا من شباب الجبهة المحبط الذي قد يرى أن من مصلحته الدخول للمغرب والاشتغال من داخل المؤسسات.

بذور هذا الحل موجودة نظريا وتم التعبير عنه في خطابات رسمية منذ أكثر من عقد من الزمن، ويحظى بدعم القوى الكبرى: أي مشروع الحكم الذاتي.

إذا نجح المغرب في تنزيل هذا المشروع، في إطار انتقال ديمقراطي حقيقي، فإنه يمثل مفتاحا لحل هذا الملف الذي عمر لأكثر من أربعة عقود. لقد أحسنت الأحزاب السياسية، حين دعت في البيان الختامي للاجتماع الذي عقدته في مدينة العيون الأسبوع الماضي إلى مزيد من تقوية الجبهة الداخلية -ديمقراطيا وتنمويا واجتماعيا. إذا التزمت بهذا المبدأ، فإن ذلك يشكل انطلاقة جديدة لتصحيح مسار التراجعات السياسية منذ انتخابات 2016.

ومن هنا، فإن ما يحتاجه المغرب اليوم، هو عقد سياسي جديد عنوانه الرئيس: انتقال ديمقراطي حقيقي وتنزيل فعال لمشروع الجهوية الموسعة، الذي وضعت لبناته الأولى قبل عقد من الزمن وتم التنصيص الدستوري عليه، ولكنه لازال في مراحله الأولى على مستوى التنفيذ. على المدى القريب، هناك مقترحان يمكن البدء بهما. أولا، وضع خطة عملية ومفصلة لطريقة تنزيل مشروع الحكم الذاتي. المسألة الثانية، هي ربط مشروع الحكم الذاتي بمشروع الجهوية الموسعة.

ولكن قبل ذلك، هناك شرطان لنجاح هذا المشروع. أولا، توفر الدولة على إرادة سياسية حقيقية لتنزيل مشروع الحكم الذاتي والتفعيل الحقيقي للدستور. وثانيا، تعاقد سياسي جديد ركنه الأساس حكومة منتخبة مسؤولة أمام الشعب ونخب سياسية حقيقية، وليست تلك النازلة من “الباراشوت”. هذان الشرطان ضروريان لحل مشكلة الصحراء المغربية، كما أنهما ركنان لا مندوحة عنهما في استرجاع الثقة في العملية السياسية، والتي هي شرط أساسي لإنجاح أي مشروع إصلاح سياسي واقتصادي.