مصباح: حملة المقاطعة أثبتت قدرة المواطن العادي على التغيير

محمد-مصباح محمد-مصباح

كيف تقرأ حملة المقاطعة؟
أهم رسالة في نظري هي أن المواطن العادي يمكن أن يكون فاعلا ومحركا للتغيير، على عكس التصورات التي ترى أن التغيير تقوده النخب فقط. فلفترة طويلة تم النظر إلى المواطن العادي على أنه مسلوب الإرادة ومفعول به، ومن ثمة تعطي «النخب» الحق لنفسها للتقرير مكان المواطن، ولكنها في الحقيقة تدافع فقط، عن مصالحها. بغض النظر عن المنتجات والشركات التي تمت الدعوة إلى مقاطعتها، فإن الحملة في عمقها في نظري تؤشر على حصول طفرة في الوعي لدى المواطن، وهذا يعكس بدوره تحولا داخل المجتمع نفسه. فرغم تلاشي بنيات التضامن التقليدية مثل القبيلة، والعائلة الممتدة، فقد ظهرت أشكال تضامن جديدة وعصرية يقودها المهمشون و»المحكورون» الذين يشتركون في المظالم نفسها. وقد تشكلت هوية مشتركة بين هؤلاء المهمشين تقوم على أن الدولة لا تحميهم، ولهذا قرروا أن يأخذوا حقهم بيدهم عن طريق المقاطعة.

الحملة أنهت أسبوعها الثاني دون أن تتبناها أي جهة، ماذا يعني ذلك؟
هذا يدل على تآكل جميع الوسائط بين الدولة والمجتمع، فلم تعد أي جهة في المجتمع أو الدولة قادرة على تأطير الشارع وتصريف المظالم بشكل مؤسساتي ومنظم. وهذا يرجع إلى أن المواطن فقد الثقة في الأحزاب السياسية والحكومة، وحتى المجتمع المدني لم يسلم من عملية «نزع المصداقية» هذه. حتى الحركة الإسلامية التي كانت إلى فترة قصيرة تعبئ الشارع، لم تعد قادرة على ذلك، باستثناء إسناد بعض الاحتجاجات بشكل محتشم. وأمام هذه الوضعية، ستضطر الدولة للتعامل مباشرة مع الشارع، وهذا ما قد تكون له انعكاسات سياسية دالة. والحقيقة أن الدولة ساهمت في إنتاج هذه الوضعية التي نعيشها لأنها «قتلت السياسة» ونزعت المصداقية عن الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، حتى المؤسسات البيروقراطية التي يفترض أن تشتغل بشكل عادي، لا تقوم بوظائفها، مثلا من غير المفهوم «تجميد» دور مجلس المنافسة، رغم أن دوره أساسي في عملية تنظيم السوق والتنافس. لو كان مجلس المنافسة يقوم بدوره، ربما لم يكن لحملة المقاطعة أن تقع.

في غياب الوسطاء، برز الفايسبوك مرة أخرى كفضاء رئيس للاحتجاج، ما دلالة ذلك؟
هذا الأمر أصبح ثابتا في جميع أشكال التعبير والاحتجاج في السنوات الأخيرة. وتفسيره يرجع إلى كون الفايسبوك فضاء يضمن التعبير بأقل كلفة. فالاحتجاج في الفضاء الأزرق يتضمن مخاطرة أقل مقارنة مع الاحتجاج في الشارع الذي تواجهه السلطات في الغالب بالقمع. بالإضافة إلى ذلك، يمنح الفيسبوك المجال للتواصل مع فئات عريضة في المجتمع. فساكنة المغرب القاطنة في الفايسبوك تصل إلى نحو 17 مليونا، وهي أكبر من جميع الأحزاب السياسية مجتمعة ومن الكتلة الناخبة نفسها. وهذا ما يتيح ولوجا هائلا وبكلفة ومخاطرة قليلة مقارنة مع طرق الاحتجاج الكلاسيكي.

يلاحظ أن الحملة تتجنب الخطاب السياسي المباشر، لماذا؟
هذا صحيح، وهو يرجع أولا، لكون المقاطعة كما ذكرت سابقا بلا قيادة ولم تتبنها أي جهة. ولكنها بالرغم من أنها تتفادى الخطاب السياسي المباشر، إلا أنها في العمق تمارس السياسة، ولكن من نوع آخر، أي المشاركة السياسية السلبية (ليس بالمعنى القدحي، ولكن بمعنى passif) عن طريق المقاطعة. أي إن الامتناع عن اقتناء منتج معين هو تعبير عن موقف سياسي، قد يكون صاحبه غير مدرك له، يرفض الحكرة والتحكم الذي تمثله هذه الشركات المهيمنة على السوق. وهذا يساعدنا، أيضا، على فهم مقاطعة الانتخابات، وليس فقط بعض المنتجات الاقتصادية.

محمد مصباح
باحث مشارك، معهد تشاثام هاوس Chatham House المعهد الملكي للعلاقات الدولية – لندن، بريطانيا