المقاطعة.. خيار  «العكس»

المقاطعة.. خيار  «العكس»

ببلاغها الصادر الخميس الماضي، اختارت الحكومة عمليا اتخاذ موقف تهديدي صارم لا غبار عليه من حملة المقاطعة الجارية بالبلاد. دعونا من الكلام الأدبي عن حماية المنافسة وحقوق المستهلكين والانشغال بوضع الفلاحين والكادحين وعموم البروليتاريا المغربية الأسيرة، في ضيعات وحقول ومعامل كبار القوم.

“إن الترويج لادعاءات وأخبار زائفة غير صحيحة هو تصرف مخالف للقانون ولا علاقة له بحرية التعبير”، تقول لكم الحكومة، وتضيف “سنعمل على مراجعة القانون الحالي، لأنه لا يمكن القبول بترويج أخبار غير صحيحة تمس بسمعة واقتصاد البلد، وتؤدي إلى الإضرار بقطاعات مهمة كالفلاحة، وتنتج عنها مشكلات اقتصادية كبيرة للبلد.”

الآن، لنعترض على الحكومة وخطابها التهديدي هذا ونرد عليها بتفصيل مسلماتها ومغالطاتها، لنؤكد لمن قد يخزه ضميره الأخلاقي داخلها أن انتهاجها لأسلوب الرد الحديدي الصارم في هذه النازلة خطأ سياسي، كان بالإمكان تداركه، ومعه تدارك نفسيّة التحدي التي استعرّت في الشبكات الاجتماعية بعد ما خيّبت الحكومة آمال الجماهير.

مربط الفرس في البلاغ المكتوب بلغة التخويف الأمني، هو تلك الفقرة التي ذكرتها في بداية المقال. طيب، لنتساءل ما هو الخبر الزائف الذي قد يزعزع أركان الاقتصاد في هذا السياق؟ يمكن أن نمثل لهذا الخبر بالأشكال التالية (سأكتفي بثلاثة)، وهي ليست حاضرة في روح حملة المقاطعة.

الشكل الأول لخبر زائف مثلا هو أن أنشر صورة لعلبة حليب في حالة جيدة وأقول للناس “حذار من شرب هذا الحليب، إنه مسموم وفاسد”، هنا أكون تجنيّت على الشركة. الشكل الثاني الممكن هو أنشر مثلا صورة لعلبة حليب فاسدة فعلا، وأقول للناس “إن كافة علب حليب الشركة الفلانية فاسدة”، هنا، أيضا، أكون تجنيّت على الشركة لأنه لا يمكن تعميم خلاصة مماثلة بسبب تجربة فردية محدودة. شكل ثالث عام أكثر هو أن أزعم مثلا أنه تم العثور على بكتيريا قاتلة في الماء أو الحليب أو منتج أساسي ما وأنشر الأمر على رؤوس الأشهاد لبث البلبلة والذعر، واضح هنا أني مخطئ أيضا.

لكن أن أقول إني أدعو عموم الكادحين إلى مقاطعة المنتج الفلاني لأني أجد سعره مبالغا فيه، قياسا لجودته أو قياسا لثمنه في دول أخرى قريبة أو تضامنا مع الفلاحين، الذين يحصلون على مقابل هزيل من الشركة أو احتجاجا على شبهة “احتكار القلة” (oligopoly) القائمة في حالة المحروقات مثلا، أو نظرا إلى سياسات الشركة المساندة لكذا من القضايا أو لظروف العمال الصعبة، أو، والحالة هذه، لأن واحدا من مالكي أكبر شركة لتوزيع المحروقات في المغرب هو، أيضا، عضو مسموع الكلمة ونافذ في حكومة البلاد ولا نعرف إلى أي مدى ينفعه منصبه الحكومي في تدبير موارده الاقتصادية، فهنا لا أكون خرجت عن دائرة ممارسة حق الدعوة إلى مقاطعة منتج من المنتجات بناء على أسس غير زائفة لو جاز التعبير.

ولا أحد ملزم بالاستجابة لدعوتي التي لم تخالف الضوابط الأخلاقية أو القانونية. وإلا هل يجب أن نتابع قضائيا الخبير الغذائي “محمد الفايد” مثلا لأنه يدعو، بشكل أو بآخر، إلى مقاطعة المنتجات التي تتضمن تركيبات غذائية اصطناعية معينة تضر بصحة الجسم بناء على ما تحصّل له من علم؟؟ الفكرة هي أن على من يريد ثنيي عن المقاطعة، أن يراجع سياساته أو يخفض سعره أو يجد حلا وسطا معي لوقف آثار الحملة عليه. وأجد في هذا الصدد البلاغ الذي أصدرته شركة “أولماس” المالكة لعلامة “سيدي علي” المستهدفة بالمقاطعة بلاغا معقولا في عمومه ومكتوبا بأسلوب منطقي رزين، يمكن انتقاده في نقاط، لكنه يدخل في سياق التفاعلات العقلانية المنشودة مع حملة المقاطعة.

أما أن ترد الحكومة على شعب المقاطعين بأنها ستراجع القانون الحالي  (في الغالب قانون الصحافة والنشر)، لأن الأخبار الزائفة لا علاقة لها بحرية التعبير، فهنا نكون أمام حالة من اثنتين.

إما أن حكومتنا السعيدة تتحدث عن حملة “تشويه سمعة” وليس “مقاطعة”، وبالتالي فجوابها كان ردا عن رواد تلك الحملة القائمة في متخيلها النفسي، أي من يشوّهون سمعة شركات معينة بادعاء مثلا أن منتجاتها تتضمن السم أو روث البهائم أو النووي، فجاءت الشركات إليها تشتكي ظلم المشوّهين، فكان أن ساندتها.

لكن بما أن الحملة التي نعرفها جميعا، والتي صارت حديث الصحافة وكُتاب الرأي والمستعرة بشبكات التواصل الاجتماعي ليست بهذا الوصف، أي لا تقول إن ماء كذا مثلا يُعاد تدويره من مجاري الصرف الصحي، أو بنزين كذا يتسبب في تفجير محرك السيارة حتّى يكون الضرب على متزعميها بيد قوية متفهما، وإنما تقول (أي حملة المقاطعة القائمة) قاطعوا هذا الماء لأن تكلفته غالية أو لأننا نريد أن نحمل النخبة على التزحزح قليلا من زواجها الكاثوليكي مع السياسة (في سياقنا المغربي “المخزن”)، وعلى ذلك ننتقل إلى الإمكانية الثانية التي تبقى هي ما يفسر رد الحكومة، والتي وصفتها بالجواب الأمني التهديدي.

فبما أن رد الحكومة كما بينته أعلاه جاء منفصلا عن واقع الحملة الجارية (حملة مقاطعة لمنتجات وليس حملة تشويه وتشكيك في السلامة الصحية لمنتجات)، فيبقى أن الحكومة أرادت إرسال رسالة تهديد وتخويف للمقاطعين، (تفتح ضمنيا إمكانية اعتبار الدعوة إلى المقاطعة ترويجا لأخبار زائفة) وتحاول، أيضا، استغلال الوضع لتمرير قانون جديد أو إدخال تعديلات جزئية على مدونة قائمة، ولعل القارئ يعلم طبيعة الانعكاسات المستقبلية للقوانين التي تمرر في لحظات “الأزمة” و”الإجماع” و”الضرورة” و”المصلحة العليا”، وكل تلك الشعارات المخيفة. يُكتب النص القانوني في لمح البصر ويُثقل بكل ما جادت بها اللغة العربية من عبارات متعددة الدلالات مفتوحة المعاني مشرعة النوافذ والأبواب، صالحة لكل زمان ومكان، لكل شاردة وواردة، ولكافة المقاسات.

حين أتفكّر في الذي يجري، أرى أن من يذهب للأسف ضحية لكل هذا الإغراق في تصديق كل ما جادت به قريحة القراءات الأمنية، ولغلبة الهاجس الأمني والحسابات بعيدة المدى بين قوى متصارعة في دواليب الحكم، ولتموقعات رأس المال، هو المستهلك والفرد والإنسان.. الإنسان البسيط الذي لا يكن أي عداء لأي أحد، ولا يتنافس على أي زعامة ولا أي صفقة بالملايير ولا يريد لا إزاحة أخنوش ولا إعادة بنكيران، كل ما يريده، تصرف رمزي يشعره بقليل من الكرامة..

بالله عليكم ما ضرّكم لو خفضتم ثمن علبة الماء أو الحليب بـ50 سنتيما؟ بـ4 سنتيمات فقط؟ تعلمون أي رمزية ستكون للأمر، وكيف سيتحول النفور إلى إقبال؟ أو خفضتم ثمن المحروقات بدرهم أو درهم ونصف؟ لِم الإصرار على أن المشكل في المستهلك؟ من يُضرُّ بالفلاحين، من يساوم بهم الحكومة، أو من يفتح لهم بابا لتحدّي الرأسمال وكسر القيود؟؟ لِم الإصرار على خيار “العكس”؟