الخروج من التطرف؟

الخروج من التطرف؟

في الوقت الذي نال موضوع تحول الأفراد والجماعات نحو التطرف اهتمام الباحثين وصناع القرار، لم ينل المسار المعاكس، أي الخروج من التطرف الاهتمام الكافي، لا من حيث البحث ولا السياسات العمومية المخصصة لمعالجة هذا التحدي. فمنذ خروج معتقلي ما يعرف إعلاميا بتيار “السلفية الجهادية” من السجن بعد 2011، تمت ملاحظة تحول لافت في خطابهم وسلوكهم مقارنة مع فترة ما قبل السجن، بحيث لم يكتف بعضهم بنبذ العنف فقط، ولكن شاركوا في الحياة العامة سواء في المجال الحزبي أو المجتمع المدني.

والحقيقة أن هذا التحول أثار فضول عدد من المراقبين لفهم السر وراء هذا التحول. ومن خلال تجربتي البحثية مع هذا التيار، في إطار أطروحة للدكتوراه أعددتها في هذا الموضوع، يمكن اقتراح أربعة مفاتيح تساعد على فهم مسار الخروج من التطرف.

المفتاح الأول، هو خيبة الأمل نتيجة التجربة الذاتية. فقد تزعزعت ثقة بعض الجهاديين السابقين في الأفكار المتطرفة بفضل إحباطهم الشخصي من التجربة ككل.

فالبعض عبر عن كون سلوك وأخلاق بعض أعضاء هذا التيار لا تنتمي إلى القيم والمبادئ “الإسلامية”، التي كانوا يعتقدون أنها من صميم أخلاق الجهاد، مثل الكذب والخديعة وغيرها.

كما أن الصراعات الداخلية على الزعامة دفعت العديد منهم إلى التحرر من الأوهام.

المفتاح الثاني، هو حسابات الربح والخسارة. ظهر لبعض المعتقلين السابقين أن التنظيمات الجهادية لن تحقق أهدافها، وأن عددا من تلك الأهداف غير واقعية. أما على المستوى الشخصي، فقد لاحظوا أن أفضل طريقة لتجنب قمع السلطات هو نبذ العنف والأفكار المتطرفة.

ثالثا: الانفتاح على تجارب ومرجعيات أخرى من خارج التيار الجهادي، لا سيما خلال تجربة السجن، حيث سمحت فترة الفراغ الطويلة لعدد منهم من متابعة تكوينه العلمي والدراسي، وقد أثار انتباهي أن إتمام المسار الدراسي داخل السجن، سهل عملية فك الارتباط مع التطرف. فقد حصل بعضهم على شواهد جامعية عليا في تخصصات مختلفة، مثل التاريخ والقانون.

كما أن القراءة الواسعة لمرجعيات إيديولوجية مختلفة تحفز التفكير من خارج الصندوق، وهو ما سمح لهم بالانفتاح على تجارب معرفية وإنسانية من خارج “الجماعة المغلقة”.

المفتاح الأخير والأكثر أهمية في نظري، هو القدرة على الاندماج في المجتمع بعد تجربة السجن، وهو أمر حاسم في تعزيز مسار الخروج من التطرف. فكلما استطاع الجهادي سابقا من بناء شبكة علاقات وصداقات من خارج التيار الجهادي، كلما تعمق مسار الخروج من التطرف.

كما أن الاندماج الاقتصادي لا يقل أهمية في تعزيز مسار فك الارتباط مع الأفكار والجماعات المتطرفة. فالعديد من الجهاديين السابقين الذين فشلوا في إيجاد فرص شغل مستقرة تكون لديهم قابلية أكبر للرجوع للتطرف. والمهم أيضا، وهذا ما تؤكده العديد من الدراسات المقارنة، هو دور العائلة والأقران في تعزيز مسار الخروج من التطرف.

بحيث تؤكد العديد من الحالات أن العائلات المفككة تكون أكثر عرضة للتطرف، أما إذا كانت العائلة كلها مؤمنة بالأفكار المتطرفة، فإنه يصعب على الجهادي الخروج بسهولة من هذه الوضعية.

ومن هنا، يظهر أن أهم مرحلة لمعالجة التطرف هي مرحلة ما بعد السجن، ولا سيما الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني المحلي في تعزيز هذا المسار. وهي الحلقة المفقودة في سياسة الدولة في مكافحة التطرف.

فالمقاربة الأمنية قد تنجح في مرحلة العلاج، ولكنها غير فعالة للوقاية من التطرف. من هنا أهمية تقوية دور المجتمع المدني المحلي في الوقاية من التطرف.