الحكومة الصماء

الحكومة الصماء

عندما يتحول السياسي أمام حركيات المجتمع، إلى نعامة تخفي رأسها في الرمال، أو ضجيج شارد ومستفز للمواطنين، فإنه في حقيقة الأمر لا يصبح سوى صورة بئيسة لفشله المريع، هكذا كانت هذه الحكومة أمام الشعب، وهو يعبر عن موقف مشروع تجاه وضع معيش يهمه مباشرة، بل ويمس قدرته الشرائية واستقراره الاقتصادي والاجتماعي.

فحينما انخرطت فئات واسعة من المواطنين في حملة المقاطعة، وأجمعت على أن هذه الحكومة بكماء وعمياء لا تبصر حقيقة الواقع، كان عليها أن تحمل العصا وتتوكل وتقدم استقالتها، لتعطي ذلك النموذج الذي يظهر للناس جميعا مدى استعداد عناصر الحكومة في احترام إرادة الشعب كما كانوا يدّعون، لا التمسك بكراسي خشبية تُهين عجزهم وتبهدل صمتهم مئات المرات في اليوم، حتى أمسوا يظهرون أمام المواطنين كأشخاص يملكون ويسعون إلى السلطة، لكن لا حول ولا قوة لهم. يبدو أن الديمقراطية معهم تحتضر في هذا الوطن.

غريب أن يصمت السياسي والبلد يمر بهزة اجتماعية غير مسبوقة، بل من الخطر على مستقبل البلاد أن يفقد السياسي الشجاعة اللازمة لمواجهة الحقيقة والواقع، حتى يكون نزيها مع ذاته ومع المواطنين الذين يمثلهم، بذل هذا الصمت المهين، أو البلاغات الاستفزازية الخارجة عن سياق القانون ومنظور الديمقراطية.

إن حدث المقاطعة أكد أمام الجميع عجز هذه الحكومة، وأسقط ورقة التوت عنها، بل خرجتها التهديدية مؤخرا جعلتها عارية سياسيا بشكل مثير للتقزز، وأظهرت عدم إدراكها بعد بأن الديمقراطية لم تعد هي ذلك الخطاب في البرلمان فقط، ولكن باتت الوسائل التكنولوجية تشكل مصدر قوة لديمقراطية معاصرة أصبح يطلق عليها عبر العالم “الديمقراطية الانسيابية الجديدة”، وأصبح لها تأثير على القرار السياسي، لما تشكله من تعبير قوي على حقيقة مواقف الشعب.

لذلك، علينا كسياسيين، حكومة وبرلمانيين، ألا نستهين بها، أو من خلالها نهين الشعب، فالأخير هو جزء من الدولة، وهو من يحمي هذه الدولة، أما الحكومة فلها مسؤولية تدبيرية، ومسؤولة دستوريا أمام جلالة الملك، وأمام الشعب من خلال البرلمان، ومن خلال وسائل الوسائط الاجتماعية، لأنها نوافذ مفتوحة على قلوب المواطنين ومعبرة عنها.

من الذي لم يصدمه موقف الحكومة من المقاطعة الحالية؟ كنت أتمنى أن تكون هذه الأخيرة في مستوى الحدث، لا أن تختفي لتتحول إلى الحكومة الخفية الصامتة، تظهر  فقط، عندما تريد أن تشتم المغاربة أو تهددهم، أو لتدعي إنجازات وهمية، وتختفي كلما عجزت عن تحمل مسؤوليتها، فأي ديمقراطية هذه؟ وأي حكومة هذه؟

أما المواطن المغربي، فقد تحمل الكثير، إذ يؤدي العديد من الضرائب من جيبه، ولا يحدثه أحد، ولا ينصت إليه أحد، فقط يزايدون عليه بالوطنية، فكلنا وطنيون ونخشى على هذا الوطن، وأصحاب المقاطعة وطنيون، ولا يمكن لأي كان أن يطعن في وطنيتهم، لأن التعبير الحر بمسؤولية عن وضع اقتصادي معين، هو جزء من الوطنية، والدفاع عن حق الفلاحين في تعويضات عادلة هو قمة الوطنية.

كان على الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها، لأن الدستور وضع بين أيديها عدة وسائل للتأثير على الوضع الاقتصادي، فهي تضع القانون المالي للتدخل في السوق من أجل ضبطه وتوجيهه، ومن خلاله التأثير على الفاعلين الاقتصاديين من شركات وغيرها، فالحكومة لا تحتاج إلى وسائل قانونية أو سياسية، فهي تملك الكثير من هذه الوسائل، فقط تحتاج إلى نزاهة وجرأة وقدرة على التفكير. وهذا الشعب منذ 2011، وهو يتحمل الكثير من الإجراءات والقرارات الصادرة عن الحكومة السابقة الأم، ثم الحكومة الفرع الحالية، تحت يافطة استقرار الوضع الاقتصادي، ورغم ذلك لم يعترض، إيمانا منه بأن عليه أن يساهم في إنقاذ وطنه اقتصاديا، وفي المقابل، حينما يحتج يُهان من طرف الحكومة نفسها، والأسوأ أنه حتى ولو احتج سلميا وحضاريا لا يجد من ينصت إليه.

فهذه الحكومة أكدت مرة أخرى، أنها عاجزة عن إدارة الشأن العام، وبات اقتناعي أكثر كما الكثير من المواطنين، بأن الفاتورة السياسية لهذه الحكومة، ستؤديها باهظة الثمن، وفي المستقبل القريب.

عبر عن رأيك

النص
المرجو إدخال الإسم و البريد الإلكتروني

التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "اليوم24" الالكتروني