نهاية الاستبداد الذكي

نهاية الاستبداد الذكي

تكشف الأحداث والوقائع المتلاحقة أن أشياء كثيرة تربط بين المملكتين العلوية والهاشمية إلى جانب القرابة العائلية. فجل الدراسات والبحوث الرصينة التي أنجزت حول مرحلة الربيع العربي، ذهبت إلى رصد أوجه التشابه بين النظامين السياسيين، باعتبارهما أظهرا قدرة نادرة على مواجهة الاضطرابات والخروج منها بأقل الخسائر. اليوم تبدو المملكتان مقبلتين على مواجهة لحظات عصيبة مماثلة.

كل من موجة الاحتجاجات الشعبية في الأردن، وحملة المقاطعة في المغرب، تضعان نظرية التخلي عن ديمقراطية الواجهة لصالح الاستبداد السافر على المحك. فمنذ خمود موجة الربيع العربي، وتحولها إلى حروب أهلية في بعض الدول، وثورات مضادة في أخرى، أطلت نظرية «الاستبداد السافر» برأسها، نظرا إلى زوال الحاجة إلى الواجهة الديمقراطية في مخاطبة الغرب، الذي أصبح أقل حرصا على الديمقراطية، وبات الاستقرار أولى أولوياته.

وكان كل من المغرب والأردن في صدارة المعنيين بهذه النظرية، باعتبار قدرتهما على حماية الاستقرار مبررا كافيا للخروج من خانة الأنظمة الاستبدادية الذكية، smart authoritarian regimes، والتي كانت تلزمهما بحد أدنى من القناع الديمقراطي.

هناك من ذهب إلى اعتبار المحطات الانتخابية التي عاشها كل من المغرب والأردن بعد الربيع العربي، والتي حازت الاعتراف الدولي بعدم تزويرها، وما تلاها من تجارب حكومية متعثرة (تعثرت بفعل فاعل)، دليلا مقنعا بالنسبة إلى القوى الدولية، الغربية على الخصوص، على أن الأمر يتعلق بمجتمعات قدرها ألا تكون ديمقراطية، لأن تمتيعها بحرية الاختيار والقرار يؤدي إلى أزمات وتدبير سيئ، ومن ثم، لا بد من التخلص نهائيا من القناع الديمقراطي، والدفع نحو التمكين لمن يستطيع أن يدبر بكفاءة وتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية.

في عز هذا الانشغال العربي باستباق ما يبدو أنه بوادر ربيع عربي ثان، جاءنا درس آخر من ملكية أخرى هي أقرب إلينا جغرافيا وتاريخيا، وهي الجارة إسبانيا. هناك وعلى بعد 14 كيلومترا من سواحلنا، يأتينا الدرس البليغ المستمر منذ أربعين سنة، والذي يخبرنا بأن التنمية والاستقرار والحرية والديمقراطية في ظل الملكية، هي ممكنات تتحقق متى توفرت الشجاعة والتحمت الإرادات الوطنية.

جيراننا الشماليون، الذين عاشوا مثلنا تجربة «بلوكاج» لاحقة عن آخر انتخابات تشريعية، لم يرتدوا عن الخيار الديمقراطي، ولا اهتزت هيبة دولتهم وهم الذين يجابهون مشروعا انفصاليا جديا في كطالانيا، بل عززوا مؤسساتهم وفعّلوها في لحظات الأزمة بدل أن يقبروها، وجعلوا أزماتهم السياسية تنتج حلولها من داخل المؤسسات عندما أسقط ملتمس للرقابة حكومة راخوي ونصّب حكومة سانشيس.

عندنا ارتفعت بعض الأصوات في الفترة الأخيرة ملتمسة من الملك التدخل لإنهاء الاحتقان. هناك من دعا القصر إلى ممارسة «التحكيم»، وهناك من يقر بأن الملكية مؤسسة دستورية لا يمكن أن تتحول إلى إطفائي، لكنه يعتبر أن الظرف يحتّم تدخلها لإنهاء حالة الخوف التي تؤثر على مناخ الاستثمار. الفريقان معا يغفلان أن الملك، ومنذ أول مسيرة لحركة 20 فبراير، قدّم عرضا سياسيا يلامس سقفه عتبة الملكية البرلمانية.

ومنذ ذلك الوقت تحولت الخطب الملكية إلى منصة لانتقاد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، توّجها خطاب افتتاح السنة التشريعية الحالية الذي أعلن فشل النموذج المغربي الحالي.

السؤال الحقيقي، إذن، هو: من الذي أفشل مشروع الإصلاح الذي أسسه خطاب 9 مارس؟ ومتى يقدم المغاربة، ملكا وشعبا، على خطوة المكاشفة والحسم مع «القوة الثالثة» التي تمارس لعبة التخفي خلف قناع الواجهة الديمقراطية منذ الاستقلال؟

قد يكون زمن الاستبداد الذكي قد ولى، لكن البديل لن يكون هو الاستبداد السافر، كما يتوهّم البعض، ولا حتى العودة إلى نموذج الاستبداد الذكي. بل إن روح الربيع العربي، والتحولات الدولية المتسارعة، تجعل خيارنا الوحيد المتبقي لحماية الوطن والوحدة والاستقرار، هو الديمقراطية الحقيقية.