السلطة والدولة في الإسلام.. من دولة الخلافة إلى الدولة الوطنية

8_1280 8_1280

يناقش كتاب «السلطة والدولة في الإسلام»، لمؤلفه الجامعي والمفكر علي الإدريسي، أهم المرجعيات والتحولات التي عرفها التاريخ السياسي للإسلام، منذ الخلاف الأول في «سقيفة بني ساعدة» بين المهاجرين والأنصار حول خلافة النبي محمد (ص) وحتى عصر «الدولة الوطنية». تعقب الإدريسي حيثيات ذلك الخلاف، وتطوره تاريخيا وفكريا من داخل المرجعيات الإسلامية وليس من خارجها. ويرى أن الدول القائمة حاليا إما «عسكرية» قائمة على نظام مخابراتي، أو دول ترى مثالها في ماضي الأجداد بمبرر الوفاء للسلف، وكلاهما عائق أمام المستقبل.

فشلت محاولات إحياء الخلافة من قبل ملك نجد والحجاز عبد العزيز آل سعود، ومن قبل ملك مصر والسودان فؤاد الأول، كما رأينا في الفصل السابق. وانطلق الجدل النظري الخاص بمرحلة ما بعد الخلافة بمؤلف “الإسلام وأصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام”، الصادر سنة 1925، لعلي عبد الرازق الذي حاول فيه إبراز مصدر مشروعية الخلافة ونظامها السياسي، متسائلا عما إذا كانت من صميم الإسلام، أم أنها “كانت دولة عربية قامت على أساس دعوة دينية (…) أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب، ومكنت لهم في أقطار الأرض، فاستعمروها استعمارا، واستغلوا خيرها استغلالا”، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في أواخر الفصل السابق.

والواقع أن فشل محاولات الملك السعودي والملك المصري في إحياء الخلافة بعد إلغائها من قبل أتاتورك، المدعوم من قبل “جمعية الاتحاد والترقي” القومية، أو “تركيا الفتاة” لم يكن الأمر ناجما عن فراغ، بل كانت هنالك عوامل ودوافع:

أول هذه العوامل شيخوخة مؤسسة الخلافة نفسها، المتمثل في عدم قدرتها على التجديد الذاتي، وما لا يتجدد يتجمد قبل أن يتبدد، كما هو حال جميع الدول والأنظمة التي أخبرنا عنها التاريخ. وإذا استمر ما لا يتجدد في الوجود يمسي ضارا كالماء الراكد. ولم تكن مصر والسعودية التي رأتا في نفسيهما بديلا عن العثمانيين تتمتع باستقلالية قرارها، كما أنها لم تكن أفضل حالا من السلطنة العثمانية من حيث زمنهما السياسي والثقافي. إذ غالبا ما كانتا تستندان في تصورهما للمستقبل وفي مناهجهما على ما حدث في سالف الزمن والتاريخ، وعلى ما تكوّن لديهما من عادات في ممارسة السلطة طيلة قرون من الانحطاط الحضاري والتخلف الاجتماعي والفكري. الأمر الذي جعل أمر إحياء الخلافة متجاوزا من حيث الزمن الثقافي قبل الزمن السياسي، وغير قادر على التفاعل الإيجابي مع التطورات والتحولات السياسية الحادثة في العالم. تلك مرحلة من التاريخ قد خلت.

وثاني هذه العوامل، إغراق سوق السياسة الشرق أوسطية والشمال إفريقية وأقطار إسلامية أخرى بمفردات ومصطلحات جديدة تحمل شعارات ودعوات مؤثرة على النخب والجماعات التواقة إلى تجديد وتغيير مخيال الفنطازيا السياسية لديها. اعتمادا على تغذية جديدة مستخلصة من فكر الأنوار ورياح التغيير المسنودة بأدبيات التحرر من الاستعباد والمدعمة بـمواثيق حقوق الإنسان التي بدأت أصداؤها تصل إلى الشارع الإسلامي العام، مبهورة بمبادئ الرئيس ويلسون المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها، والمصونة لزوما بعقد سياسي يعمل على ضبط العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، تعكسه الدساتير التأسيسية، بصفتها وثائق أساسية للدول ومقتضيات مرجعية لها، وطرائق في ممارسة الحكم وتسيير شؤون الدولة، وفي اختيار الشعوب لحكامها، وتكوين مجالس نواب الشعب أو البرلمانات، كسلطة تشريعية مستقلة عن السلطة التنفيذية وآلية لمراقبة عمل الحكومة ومساءلتها. يتم كل ذلك بواسطة الانتخابات العامة المباشرة، يشارك فيها الجميع، وليس أهل الحل والعقد، أو الملأ من الناس فقط، كما جرت به العادة في دولة الإسلام.

ومن أهم الوثائق الدستورية المكتوبة التي أصبحت مرجعا، ومطمحا في الوقت نفسه، لغالبية شعوب الأرض دستور أمريكا، الصادر سنة 1789، وشعار عاصمتها “العدالة للجميع”، وإعلان مبادئ الثورة الفرنسية سنة 1791، والدستور الذي كتب سنة 1793، تحـت شعار “الحرية والإخاء والمساواة”. ثم الدستور الألماني سنة 1849 الذي وحد ألمانيا في نظام سياسي جديد سمي بالنظام الفيدرالي. هذه أهم مرجعيات العقود الاجتماعية السياسية المكتوبة. إضافة إلى الدستور العرفي للمملكة المتحدة، التي تعدّ أقدم مملكة ديمقراطية في العالم.

أما العنصر الآخر في هذه العوامل فيتمثل، حسب نظرنا، في “الشعور القومي”. ونعلم أن الشعور القومي ليس مستنبطا من الدين إلا قليلا، من باب “حب الأوطان من الإيمان”، لأن الأديان بصفة عامة، والإسلام بصفة خاصة، لم تقصد قوما معينين بالذات، إلا في حالة اليهود الذين يدمجون بين قوميتهم وبين العقيدة الموسوية، أما العقيدة الإسلامية فقد قصدت جميع البشر، دون أي تحديد لقوميتهم. جاء في سورة إبراهيم: الآية 14 قوله تعالى {هذا بلاغ للناس}، وعرفتها الآية 138 من سورة آل عمران: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة}.

ولطالما أشاد الإسلام بعبارة “الأمة” بدل عبارة قوم.  وللتذكير فإن عبارة “القومية”، المشتقة من القوم، لم يتم تداولها كمصطلح وكمفهوم ثقافي – سياسي في الكتابات السياسية والاجتماعية قبل القرن التاسع عشر في أوروبا. وكان أول من استخدمها هو جويسيبى ماتزينى (Mazzini, Giuseppe 1805-1872) الزعيم السياسي والقومي الإيطالي. ومنذ 1835 أضحى للمصطلح تعريفات متعددة بتعدد مشارب المنظرين الفكرية وأيديولوجياتهم، بعد أن تبناه المؤرخون والسياسيون لما له من دلالة ثقافية وسياسية في المجتمعات الغربية في عصر الانبعاث والتحولات الكبرى التي عرفتها في بنياتها وهياكلها الثقافية والسياسية. ومنذ ذلك الوقت احتل مصطلح ومفهوم القومية مكانة بارزة في الفكر السياسي والتاريخي والاجتماعي والثقافي. وكان ماتزينى قد عرف القومية بأنها “انتماء جماعة بشرية واحدة لوطن واحد شريطة أن يجمعها تاريخ مشترك ولغة واحدة في أرض هذا الوطن.”