محاكمة المحاكمة…

خالد البكاري خالد البكاري

بمجرد النطق بالأحكام الظالمة في ملف معتقلي حَراك الريف المُرحلين للدار البيضاء، حتى وجدت الدولة نفسها بإزاء محاكمة من نوع آخر، محاكمة الرأي العام لأجهزتها الأمنية، ولحدود سلطها التنفيذية والتشريعية، ومحاكمة أقوى لاستقلالية القضاة والقضاء، ولأن هيئة الحكم لا يمكنها الخروج لتبرير ما نطقت به، فقد انبرت النيابة العامة في سابقة من نوعها للدفاع عن أحكام لم تصدرها هي، وهي سلطة اتهام وادعاء في الأصل، وهي خصم في الدعوى العمومية ضد مناضلي الحراك، خصم كنا نتمناه شريفا ومنحازا للمشترك الوطني، كما كنا نأمل من القضاء أن يكون منحازا بدوره للمستقبل.. ولكن من يصنعون الظل والمطر، وبالتالي المزاج، كان لهم رأي آخر، أو بصريح العبارة كان لهم قرار اتخذوه منذ بدء الاحتجاجات، وصرفوه بالتقسيط، بضاعة مزجاة، ولكن بقسمة ضِيزى، وما قالته النيابة العامة في خرجاتها المتعددة وغير المألوفة في المرحلة الأخيرة، هو نفسه ما رددته أبواق “إعلامية”، معروفة اتجاهاتها وخلفياتها وقنواتها “التحرير (ف)ية”، التي تمتح من تخوين المعارضين، وتسييد الصوت الواحد باعتباره الشكل الأوحد للانتماء إلى الوطن.

ومن الدفوعات غير المقنعة حتى لمن أطلقوها، القول إن الأحكام كانت مخففة، باعتبار أن الهيئة اختارت أقل عقوبة ملائمة بالنظر إلى العقوبات المناسبة للتهم التي كان المعتقلون يُتابعون بها، وهذا نوع من الحجاج التدليسي، باعتباره يجيب عن سؤال غير مطروح أساسا، ويناقض أطروحة ليست هي التي يقدمها من يدفعون بجورية الأحكام وانزياحها عن الحق والعدل، ذلك أن محاميي المعتقلين والهيآت الحقوقية المعتبرة، وكل من تابعوا الملف عن قرب، وقلبهم على الوطن، لا على جهاز معين يُراد لنا أن نجعله فوق المساءلة والمراقبة، كلهم تحدثوا على أن الأحكام ظالمة وليست قاسية فقط، وأن التهم التي بموجبها توبع مناضلو الحَراك هي تهم باطلة، ولم تستطع النيابة العامة تقديم ولو دليل واحد مقنع لا تطوله شبهة أو لبس أو غموض طيلة كل جلسات المحاكمة، فلا هي قدمت فيديوهات تثبت أن الماثلين أمام المحكمة هم بذواتهم وشخوصهم من رشقوا قوات الأمن أو دعوا صراحة أو ضمنا إلى الاعتداء عليها، ولا هي قدمت محجوزات تتضمن أدوات الجريمة، كما تم رفض كل دفوعات محاميي الحَراك واستبعاد أغلب شهود النفي، الذين كان من شأن إدلائهم بإفاداتهم أن تنسف كل دعاوي النيابة العامة، وكل محاضر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. وبالتالي، فالنيابة العامة في خرجاتها للأسف وظفت نوعا من الحجاج القائم على بلاغة “التغليط”، إذ إن رفض الأحكام ووصفها بالجائرة متأت من رفض التهم، وبالتالي، يصبح النقاش حول قسوة أو “رحمة” الأحكام بالنظر إلى العقوبات التي يفردها القانون للتهم التي توبعوا بها، هو نقاش بعيد عن أصل الخلاف كما يقول المناطقة.

وفي محاولة يائسة ودفاع مرتبك عما وقع، بدأ الترويج لأغلوطة (مقابل أطروحة) أن مناضلي الحَراك لم يتابعوا بسبب المسيرات السلمية ولا بسبب مطالبهم المشروعة، بل بسبب ما ادعت النيابة العامة أنهم اقترفوه من أفعال جنائية مرتبطة بالاعتداء على رجال القوات العمومية والممتلكات العامة والخاصة، وطبعا هذه الأغلوطة لن تستطيع الهروب من سؤال: متى بدأت الانفلاتات؟ ومتى بدأ تبادل القذف بالحجارة بين المتظاهرين والقوات العمومية في حوادث ظلت في عمومها عرضية ومعزولة؟ لقد بدأت بعد بدء موجة الاعتقالات في صفوف قادة الحراك؟ وبالتالي، من سعى إلى التأزيم؟ ومن كانت مصلحته في نزع رداء السلمية عن جسم الحراك؟ في اعتقادي أن المصلحة كانت عند من يهمه شرعنة وتسييد المقاربة الأمنية.

إن الدولة العاقلة والحكيمة والراشدة هي التي تواجه الاحتجاجات بمنطق البحث في أسبابها، ومن ثم التفكير في حلول للمشكلات التي دفعت السكان إلى الانتفاض، وإيجاد قنوات للحوار والتفاوض النبيلين الجديين، أما الدولة التي تسيد المنطق الأمني وتعتبر الاحتجاج مسا بهيبتها وهيبة الحاكم، وتنظر للمواطنين بمنطق  “اشبعتو الخبز”، فهي دولة ضد المستقبل. أما محاولة تبرئة جهاز معين، وفي الوقت نفسه تحميل المسؤولية للباقي من حكومة ومنتخبين وأحزاب وموظفين عموميين، فما هو سوى ذر للرماد في العيون،ـ كما هو الإقرار بفشل النموذج التنموي، الذي هو نصف الحقيقة أو ربعها، إذ فشله هو تبع لغياب مشروع مجتمعي حقيقي يقبل فيه الحاكمون بتكلفة الديمقراطية الحقة.