الجراري: ما تنفقه إسرائيل على البحث العلمي يفوق إنفاق البلاد العربية كلها

عباس الجيراري المستشار الملكي عباس الجيراري المستشار الملكي

عباس الجيراري، مفكر وأكاديمي مغربي مرموق، ومستشار للملك محمد السادس. أغنى المكتبة المغربية
والعربية بعشرات الكتب في الفكر الإسلامي وقضايا الثقافة والتراث. في هذه السلسلة الحوارية،
يفتح الجيراري قلبه وعقله لـ«أخبار اليوم» حول كل شيء.

تقول إنك واجهت تحديات لترسيخ مشروعك القائم على تثبيت الهوية المغربية. هل نجحت في ذلك؟
الحمد لله، والآن إذا عدتم إلى الدراسات الجامعية في كلية الآداب حيث كنت أدرس، سواء في الرباط أو فاس، ستجدون العدد الكبير من الباحثين الذين تخصصوا في الدراسات المغربية، والذين اعتنوا بالتراث المغربي القريب والبعيد، بما فيه التراث الشعبي، وأيضا التراث الأمازيغي الذي كان يحارَب. وأعترف، رغم أنني لست أمازيغيا، بأن التراث الأمازيغي تراث مغربي غني، وفيه إبداع وتميز، وهو أحد مكونات الثقافة المغربية الأساسية.
في بداية اشتغالكم كان هم التأسيس ومسألة النشأة، كما قلتم، هو ما يشغلكم. وكانت هناك فقط جامعة واحدة. اليوم لدينا جامعات كثيرة ومتعددة، فضلا عن الدور الذي تضطلع به الجامعات في البحث العلمي. حدثنا عن مدى توفق الجامعة المغربية في هذه المهمة؟
صحيح أن لدينا اليوم جامعات متعددة، لكنها تبقى جامعات مبتورة، لأن أهم جانب في الجامعة هو البحث العلمي، وهو يحتاج إلى مؤسسات. لم يعد البحث العلمي، كما كنا نمارسه سابقا، مسألة فردية، بأن يبحث الشخص وحده في المكتبات ويشتري كتبا ويطلع ويجتهد وينشر. هذا لم يعد مجديا، فالجامعات اليوم ينبغي أن تتوفر على مؤسسات للبحث العلمي، ولجان للبحث العلمي تشجع عليه.
لو كان ذلك متوفرا، لظهر لدينا في المغرب من يبدعون في كليات الاقتصاد بتقديم أساليب جديدة للاستثمار، وأساليب للتنمية وغيرها، لكن هذا غير حاصل لأن أطرنا مشتتة والجهود فردية، والبحث العلمي لا ينهض بجهود فردية.
إن ما تدفعه إسرائيل في البحث العلمي يفوق ما تدفعه البلاد العربية كلها في ذلك المجال، ثم نتساءل لماذا يتغلبون ويتفوقون.
اليوم، كل المجالات، على اختلافها، العسكرية والاقتصادية، وغيرها في مجالات الفنون والثقافة، قائمة على البحث العلمي. ونحن، للأسف، بقي لدينا البحث العلمي مقتصرا على دراسات نقدية حول شاعر أو شخص، وهذا ليس بالبحث العلمي.
تحدثتم عن الإقبال على الدراسات المغربية عبر أجيال، منذ بداية اشتغالكم على مشروعكم الثقافي، هل لايزال هذا الإقبال متواترا، وبشكل تصاعدي لدى فئة الشباب اليوم؟
نعم هو كذلك. وإذا تحدثنا عن فترة التأسيس، فمنذ تلك المرحلة في الخمسينات إلى الآن مرت ثلاثة أجيال، جيل تتلمذ على يد جيل. وكل جيل يبعث على الافتخار والاعتزاز، لكن جهودهم جميعا كانت جهودا فردية، وليس متاحا لكل جيل وكل فرد أن يشتري كتبا أو يبحث عن مخطوطات ويسافر لزيارة مكتبات ويكمل مسار البحث وحده، كما قلنا.

من أجوبتكم السابقة نستشف أن السياسات الثقافية التي تعاقبت وتتعاقب على البلاد ضعيفة ولم تشتغل بمنهج واضح؟
هي سياسة سلبية لأن المغرب، منذ الاستقلال إلى اليوم، ظل يتخبط في الأشياء الأساسية. مازلنا نتخبط في التعليم الابتدائي كيف يكون وبأي لغة. مازلنا نتخبط في أبجديات التكوين، لذلك، حين نتحدث عن التعليم العالي وضرورة البحث، فسنبدو وكأننا نتحدث في أشياء من باب الترف.