الإدريسي: شعار المصالحة استُخدم مناورة لتمييع الأحداث وإدخالها نفق النسيان

image image

علي الإدريسي مؤرخ مقيم في كندا

كيف قرأت موقف حزب الاستقلال بشأن استعداده للاعتذار إلى الريف؟
أعتقد أن رأي عبد الكريم الخطابي في الأحزاب المغربية سنة 1957، والذي جاء فيه: «أيها المغاربة، إن مصيبتكم في أحزابكم»، لايزال ينطبق إلى اليوم على الجسم الحزبي في المغرب. فالأحزاب التي كانت تدعي أنها قادت الحركة الوطنية، ثم انتقل بعضها إلى النضال الاشتراكي، سرعان ما تحول أغلبهم إلى مجرد دكاكين تنتعش تجارتها في مواسم الانتخابات، لكنها تقبل بالكوطة الممنوحة لها في الحكومة والبرلمان والبلديات، مقابل تنفيذ ما هو مطلوب منها، وكأن عبارات نزار القباني: «من مطبخ السلطان يأكلون… وخارج التاريخ يسكنون»، تنطبق عليهم كل الانطباق.

ففي 1958 انبرى حزب الاستقلال لاتهام الممتعضين من ظلم حكام ورثوا التسلط ولم يرثوا حكمة السلطة، بأنهم ضد الوحدة الوطنية، كما جرى اتهام المطالبين الريفيين بأدنى حقوقهم في وطنهم بأنهم معادون للحركة الوطنية، وأنهم يتآمرون على النظام الملكي ويسعون إلى الانفصال عن المملكة. وذلك كله، في نظرنا، لكي يحظى برضى السلطة.

ويمكن لحزب الاستقلال معرفة دوره في انتفاضة الريف سنة 1958، إذا كان جادا في ما أعلنه أمينه العام، أن يعود إلى مواقف الحزب المنشورة في جريدتي حزب الاستقلال نفسه «العلم» و«l’opinion».
من المعروف أن المخزن، بقيادة ولي العهد وأوفقير، استند، من بين ما استند إليه في محاربة المحتجين وعقاب الريف بطريقة سنمار، إلى مواقف قادة الحزب، أمثال علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد والمهدي بنبركة. والسيد نزار بركة لا يجهل أن محاربة الريفيين كانت زمن حكومة حزب الاستقلال.

والجدير بالذكر أن والد رئيس مجلس المستشارين الحالي كان من بين ضحايا ما حدث في تلك الظرفية، وأن قائد انتفاضة 1958 و1959، محمد حاج سلام أمزيان، لم يشمله العفو، إلى أن توفي في المنفى سنة 1995، وقد أشار الملك الراحل في كتابه «ذاكرة ملك» إلى عدم العفو عنه بسبب تهمة الانفصال، وهي التهمة التي رددها السيد علال الفاسي في تعليقه على مطالب الساكنة الريفية. وحين نركز على جريدتي حزب الاستقلال فإننا لا نريد الحديث عن صحافة الاستعمار التي استمرت تصدر في المغرب المستقل، والتي كانت تنطق باسم المخزن. وفي نظري، لو أراد الأمين العام لحزب الاستقلال، فعلا، أن يتمرد على تقاليد الأحزاب في اتهام أهل الريف بالانفصال، كان عليه أن يعود إلى ما وثقته جريدتا حزبه وإلى أرشيفه الذي كان يجب أن ترفع عنه السرية قبل أرشيف المخزن.

في نظرك، لماذا اختار الأمين العام لحزب الاستقلال الحالي، نزار بركة، حفيد علال الفاسي، هذا التوقيت ليعلن نيته الاعتذار إلى الريفيين؟
يمكن القول في البداية إن السبب الحقيقي لاختيار التوقيت لا يمكن أن يدلي به إلا صاحبه. أما بالنسبة إلى نية الاعتذار، فمن المعروف أن النية تكون مقبولة في العبادات، أما النية في السياسة فتؤكدها أو تنفيها الأفعال.
لكن، يحق لنا تأويل أو قراءة اختيار إعلان حزب الاستقلال نية الاعتذار إلى الريفيين باعتباره مناورة لاستغلال هذه الظرفية المتميزة بخصومة ساكنة الريف لأحزاب الأغلبية بسبب اتهامها الحراك بالتآمر على الدولة، وبنزعة الانفصال، وغضب هذه الساكنة على حزب الأصالة والمعاصرة، صاحب الأغلبية في الريف، حين ترك محتجي الحراك الاجتماعي عرضة لمصير لم يكن أفضل من مصير آبائهم وأجدادهم، متخليا عن دور الحزب «المعارض» والوسيط بين الذين انتخبوه والسلطة، ما جعل حراك الريف الاجتماعي يحمله مسؤولية التخلي عن المحتجين الذين يواجهون قمع السلطة وحدهم. والحال هذه، أضحى الريف، إذن، دون وسيط يوصل مطالبه بأمانة إلى ملك البلاد. وهذا أمر بالغ الخطورة، يترك الوضع مفتوحا على كل الاحتمالات، خاصة بعد الأحكام القضائية الأخيرة يوم 26 يونيو (ويوم 26 يونيو من السنة الماضية هو يوم أسود في الحسيمة بسبب ما تعرض له السكان من قمع يوم عيد الفطر). من هنا، يمكن أن يكون قد جاء الدور الجديد المحتمل لحزب الاستقلال، الذي لم ينخرط في كيل التهم الجديدة لنشطاء حراك الريف الاجتماعي، بزيارة الريف، حسب نظرنا.

هل ترى أن ما أعلنه نزار بركة دعوة جادة إلى المصالحة أم مجرد تكتيك ظرفي؟
يمكن أن تكون الدعوة قد تولدت، أو نتجت، عن الحاجة إلى الدور الجديد الذي من المحتمل أن يكون قد أنيط بحزب الاستقلال في هذه الظرفية، خاصة أنه لم يتبنّ توجيه اتهامات ثقيلة إلى نشطاء حراك الريف الاجتماعي، كما فعلت أحزاب أخرى. وقد يكون ذلك وراء تكليفه بزيارة الريف، وإعلان ما أعلنه.
غير أن حزب الاستقلال لعلال الفاسي له ماض أسود في الريف، بغض النظر عن وجود ممثل برلماني له دائم يمثل المنطقة، وفقا لمنهجية «الكوطة» المعروفة في الانتخابات المغربية. لذلك كان لا بد من إظهار نية الاعتذار إلى الريفيين. إلاّ أن إعلان الاعتذار، حسب نظرنا، لا يرتبط بوجود إرادة صادقة في ذلك، بقدر ما يتوقف على تطور الأحداث بالريف في هذه المرحلة، وتطور علاقة المركز بالريف. أما السبب الآخر فيمكن النظر إليه من كون حزب الاستقلال مشهود له بإتقان فن المناورة، عكس الأحزاب الأخرى في المغرب، ومن كون الريفيين مجبولين على روح التسامح إذا اعترف لهم خصمهم بخطئه. أما شعار المصالحة، فقد استُخدم في مغرب الاستقلال مناورة قصد تمييع الأحداث وإدخالها نفق النسيان. غير أن المناورة بالشعارات والوعود فقدت كثيرا من بريقها لدى مغاربة لهم قدرة فائقة على مقاومة ثقافة النسيان.

ما وجه الشبه بين أحداث 58/59 وبين ما يقع اليوم من أحداث واعتقالات؟
من حيث الموضوع العام لا نرى فرقا أو خلافا جوهريا بين زمنين مغربيين، أما من حيث بعض الجزئيات فإن عدد قتلى 58/59 يتراوح بين 800 و8000. والدولة لا تريد رفع السرية عما وقع، حيث طاول الاضطهاد والقمع والاغتصاب عددا لا يحصى من سكان الريف وغير الريف. ومازلنا نعتقد أن ما جرى كان فظيعا، وإلا لجرى تقديمه إلى هيئة الإنصاف والمصالحة على الأقل. أما ما يجري اليوم فعدد القتلى فيه لايزال محصورا في قتيلين.
إن ما ووجه به الريفيون أثناء أحداث 58 و59 وما ووجهت به احتجاجات حراك الريف الاجتماعي، سنتي 2016 و2017، متشابه إلى حد التطابق. فتهمة التآمر على الدولة وتهمة الانفصال، وتجديد عسكرة الريف، واعتماد المقاربة القمعية ضد مطالب الساكنة، وصفة أولاد صبانيول، وإنكار القضاء للدوافع الاجتماعية للاحتجاج، واعتبار الأحكام القاسية من قبل القضاء ضد المحتجين مخففة… كل ذلك جاء متشابها جدا. أما الفرق فيتمثل في غياب مصطلح «مساخيط سيدنا»، إذ لم يكن متداولا وحاضرا بقوة هذه المرة، كما أن الإعلام لم يعد محتكرا من لدن السلطة وحدها في عصر ثورة الاتصال التكنولوجي والتواصل الاجتماعي. وفي 58 كان هناك حزب واحد مهيمن على الحكم، أما الآن فهناك 6 أحزاب وحزب آخر متواطئ.
ومن جهة أخرى، فإن محمد الخامس تجرأ على إصدار عفو عن المعتقلين قبيل زيارته لعبد الكريم الخطابي بالقاهرة في أوائل 1960، وبعد تلك الزيارة مباشرة، ولايزال المغاربة في انتظار ما سيُقدم عليه الملك محمد السادس لصالح المعتقلين.
هل ترى أن اعتذار حزب سياسي ما خطوة من أجل مصالحة جديدة وجادة؟
من المعروف أن الاعتذار قيمة أخلاقية، واجتماعية، وسياسية، وسيكولوجية كذلك، للشخص أو الجهة المعتذرة، وهو من شيم العظماء في الحياة. وفي منظومة قيمنا، نؤمن بأن الله وحده هو الذي لا يعتذر لأنه لا يصدر عنه الخطأ (إن الله ليس بظلام للعبيد). وبما أن الأخطاء من طبيعة البشر، فإن الاعتذار عنها هو كذلك من صميم السلوك البشري الرفيع، سواء صدر عن حزب أو شخص أو جهة ما. إلاّ أن المسألة تتعلق بمدى مصداقية الحزب أو الجهة الصادر عنها الاعتذار. أما أهمية المصالحة فلا تقل عن أهمية الاعتذار في كل الأبعاد. فقد عرف المغرب هيئة الإنصاف والمصالحة في أواسط العقد الأول من القرن الـ21. وكان من بين توصياتها الكثيرة القطيعة مع ما حدث في مغرب 1956 و1999، أي القطيعة مع ما يعرف في أدبياتنا المغربية بسنوات الجمر والرصاص. لكن ما يحدث الآن في مناطق كثيرة في أرجاء وطننا ربما يدل على أن تلك السنوات قد عادت بقوة بعد 10 سنوات من الخطاب الملكي في 6 يناير 2006.
وإذا كانت الدولة عاجزة عن تحقيق المصالحة وتنفيذ توصياتها، فهل يمكن لحزب من الأحزاب أن ينجز ما عجزت عنه الدولة؟ إن دولة المواطنة لا تبنى بالأقوال وإنما تبنى بالأفعال.