مراجعات السلفية الجهادية.. حين أصبح شيوخ السلفية فوق منزلة القرضاوي والريسوني

محمد الفزازي وأبو حفص محمد الفزازي وأبو حفص

يحكي الحسن شهبار، أحد رموز الشباب السلفي وصهر عبد الوهاب رفيقي أبوحفص، في هذه السلسلة، شيئا من تاريخ ما عُرف بملف «السلفية الجهادية» بالمغرب.. . يُعيد شهبار، الذي حوكم بخمس سنوات سجنا بعد أحداث 16 ماي الإرهابية، ثم خُففت إلى سنتين قضاها متنقلا بين السجن المحلي بفاس والسجن الفلاحي أوطيطة 2، في هذه الحلقات، شريط الذكريات، ويقف عند تلك المحطات الكبرى التي تحتاج إلى مراجعة وتقويم.. وقد شجعه على ذلك جمع من أساتذته وأصدقائه الذين رحبوا بالفكرة وثمنوها.. فهي مهمة لإصلاح الخلل الذي وقع، وفي تصحيح المسار.

 

لقد كانت كتب الشيخ الفيزازي منتشرة ومتداولة بين الشباب؛ بدءا بـ(رسالة الإسلام في الرد على مرشد جماعة العدل والإحسان)، و(عملاء لا علماء)، و(ألا في الفتنة سقطوا)، وسمعته يُصرح في بعض دروسه بأن هيئة كبار العلماء بالسعودية ما هي إلى هيئة تشبه هيئة الفاتيكان، وسئل الشيخ الفيزازي الأب مرة عن الشيخ ابن باز رحمه الله، فقال: أتمنى أن يكون مات على الإسلام..
وأما الشيخ أبو حفص فقد كان يُعظم بعض علماء الحجاز مثل ابن باز والعثيمين وبكر أبو زيد، وأمثالهم… ولكنه بالمقابل كان يشن في دروسه هجوما عنيفا على كل العلماء الحركيين، من أمثال الشيخ القرضاوي والعلماء المحسوبين على الحركات الإسلامية المخالفة؛ فقد كان ينتقص من الشيخ القرضاوي في دروسه ويصفه بأوصاف شديدة ويتحدث عنه بتهكم وسخرية، وقد سمعته يوما ذكر أن القرضاوي قضى ليلتين في أحد الفنادق بمبلغ يكفي لإطعام أهل غزة مدة سنة كاملة!! وكذلك كان يفعل مع الشيخ سلمان العودة والشيخ عائض القرني والشيخ سفر الحوالي المنتكسين بسبب مواقفهم المعارضة للهجوم على برج التجارة، ونفس الشيء مع الدكتور أحمد الريسوني الذي شن عليه الشيخ هجوما شنيعا بعد إصداره لبيان باسم حركة التوحيد والإصلاح يستنكر فيه ما حدث بأمريكا يوم 11 شتنبر 2001.. وخصص لذلك درسا بدار القرآن بسيدي بوجيدة..
أما علماء المغرب، فلا وزن لهم ولا شأن، فهم إما أشاعرة مبتدعة، أو صوفية ضالون، أو علماء للسلطان.. وأمام هذا الفراغ في الساحة لم يجد الشباب المتعطش للعلم المعرفة أمامهم إلا الشيخ أبي حفص الذي ظهر كالمخلص لمدينة فاس، فالتف حوله الشباب وتأثروا بمنهجه في التعامل مع العلماء، وشجعهم على التمادي فيما هم عليه من الطعن في العلماء وازدرائهم؛ بل وصل الأمر حينها ببعض الأتباع أنهم رفعوا الشيخ فوق قدره وأصبح عندهم فوق منزلة القرضاوي والريسوني وأمثالهما من الجبال.. وهذا كله بسبب جهل الأتباع حينها، وقد صرح أبو حفص في أول حوار له مع جريدة (الصحيفة) بعد اعتقاله الأول أنه ليس من علماء السلطان الذين يُتقنون الحديث عن الحيض والنفاس!! وهكذا وقر في عقول الشباب أن علماء المغرب ما هم إلا عملاء للسلاطين ولا يُتقنون إلا الحديث في مسائل الحيض والنفاس، فزهدوا فيهم، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وسقطت جميع المرجعيات العلمية عند الشباب بحجة قعودهم عن الجهاد ومداهنتهم للطغاة، ويا ويل من سولت له نفسه انتقاد المجاهدين فإنه يسقط ولو كان مرجعا معتبرا فيما سبق!! وهذا التطاول لم يقتصر عند البعض على العلماء المعاصرين؛ بل تعداه إلى الأئمة المتقدمين من أمثال أبي حنيفة والشافعي، والغزالي والجويني، وأمثالهم.. وهكذا أصبح أبو حفص بطلا وعالما ربانيا، لا يُنافسه منافس، ولا يُنازعه منازع..
حقيقة مراجعات عبد الوهاب رفيقي أبو حفص:
هكذا صرح أبو حفص في حواره لجريدة التجديد الذي طُبع ملحقا بمبادرة (أنصفونا) لشرح ملابساتها وللرد على ما أثير حولها.. إنه لا يستسيغ التحول من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار الذي عرفته الجماعة الإسلامية المصرية، ولا يقبل من سيد إمام عدم اعترافه بالأخطاء التي ارتكبها، وانشغاله بدل ذلك بتصفية الحسابات الشخصية مع أصدقائه القدامى !!
وأنا أقول: كيف يُمكن استساغة مراجعات رفيقي أبي حفص، والتي بدل أن تنصب على الاعتراف بالأخطاء المنهجية التي وقع فيها حقيقة، وكانت مفاسدها كبيرة خصوصا بمدينة فاس، انصبت على إلصاق التهمة بالأهل والأحباب، والأتباع والأصحاب؛ فلذلك لم يكن لها أي قبول يُذكر !!
إن المتتبع لتصريحات أبي حفص وخرجاته الإعلامية بعد خروجه من السجن لا يجد اعترافا واضحا وصريحا بالأخطاء التي وقع فيها وأوقع فيها غيره، ولا يجد مراجعات حقيقية تستهدف تجاوز الماضي والاستفادة منه في تحصين الأجيال الناشئة، وإنما يجد شخصا مضطربا متذبذبا، يمتلك قدرة عجيبة على التحول من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في غضون شهور وأيام قليلة، بل وحتى في ساعات معدودات.. ولذلك يصعب على المتابع له التنبؤ بأفكاره المستقبلية وتقلباته المزاجية.. لقد ثار على تقاليد المجتمع وثوابته ومقدساته، وخاض معارك وهمية ضد التراث الإسلامي، وألصق به كل نقيصة.. وما اعترف يوما بأنه ارتكب خطأ أو اقترف جُرما.
إن مراجعات رفيقي أبي حفص لم تكن في حقيقتها إلا تزكية لنفسه وتبرئتها من تحمل أي مسؤولية، وإلقاء اللوم على الآخرين، فهو المسكين الذي لا حول له ولا قوة، فهو بهذا كريشة في مهب الريح لا خيار له ولا قرار، وهو على مذهب غلاة الجبرية في هذا الباب!!
لقد ذكر أبو حفص أن مبادرة (أنصفونا) كانت بمبادرة من منتدى الكرامة، وتنسيق مع المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وأنها تتعلق بنقاط ثلاث:
الأولى: نبذ العنف والعمليات المسلحة في بلاد المسلمين.
الثانية: البراءة من تكفير المجتمع.
الثالثة: الموقف من النظام الملكي.
أما النقطة الأولى؛ فقد ذكر أبو حفص أنه ترسخ عنده أنه لا سبيل لإصلاح الأوضاع في بلاد المسلمين، إلا بطول النفس، والصبر وبُعد النظر، وسلوك مسالك التربية والدعوة، والاندماج في المجتمع، والتواجد العلمي والفكري الفعال، والمدافعة بالبيان واللسان، والنأي عن الثورات المسلحة في بلاد المسلمين وفي بلاد الكفار، ولا يرى جواز التعرض للحربي إذا دخل بلاد المسلمين، لأن ذمته محفوظة بعقد الأمان.