قوة الاعتدال 

قوة الاعتدال 

يستحق توجه حركة التوحيد والإصلاح نحو الفصل في العلاقة مع حزب العدالة والتنمية، على مستوى الهيئات التنفيذية، وقفة تأمل. ذلك أن العلاقة بين الحركة والحزب مرت بثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى تميزت بالاحتضان الكامل، وبدأت سنة 1996 حتى سنة 2003، أعادت خلالها الحركة تأسيس حزب الحركة الشعبية الدستورية، الذي أصبح اسمه حزب العدالة والتنمية ابتداء من 1998، بكل ما تعنيه كلمة إعادة تأسيس من ضخ للموارد البشرية والمالية، وتنسيق في المواقف والقرارات تحت شعار: «الوصل لا الفصل». المرحلة الثانية بدأت مع المؤتمر الاستثنائي سنة 2003، واستمرت إلى المؤتمر السادس سنة 2018، وتميزت بأحداث 16 ماي 2003 الإرهابية، وسياسة هيكلة الحقل الديني، والصعود السياسي والانتخابي لحزب العدالة والتنمية، وهي أحداث تفاعلت معها الحركة من خلال شعار: «التمايز لا الفصل» في القيادات والخطاب والوظائف. واليوم تصل الحركة إلى مرحلة جديدة عنوانها «الفصل مع التعاون»، وأحد مضامينها المعلنة لحد الآن «الفصل في العضوية على مستوى الهيئات التنفيذية»، كما دلّت على ذلك بعض نتائج المؤتمر السادس.

خلال هذه المراحل الثلاث يمكن القول إن الحركة أبانت عن قدرة كبيرة على التفاعل مع تطورات الواقع، وهي تطورات بعضها داخلي خاص بالحركة والحزب، وبعضها خارجي. من بين التطورات الداخلية أن الحزب أرهق الحركة على مستوى الموارد البشرية، وعلى مستوى صورتها في المجتمع حركة دعوة وتربية، ولوقف ذلك لجأت إلى قرارات متتالية، مثل منع وعاظ وأئمة المساجد المنتمين إليها من الدعاية السياسية لـ«البيجيدي»، ثم منع مسؤولي الهيئات بالحركة من العضوية في هيئات الحزب، وفي مرحلة لاحقة منع مقرات الحركة وأعضاء هيئاتها التنفيذية من الدعاية السياسية والانتخابية للحزب، بل وصلت في حالة الرئيس الحالي، عبد الرحيم الشيخي، إلى الاستقالة من الحزب تماما بعدما انتخب رئيسا للحركة أول مرة سنة 2014. لكن خيار التمايز ثم الفصل لا يمكن عزله عن السياق الفكري والسياسي؛ فكريا، يعتبر الفصل بين الديني والسياسي قضية محورية في الفكر السياسي العربي والعالمي، والأجوبة عنها وسط الإسلاميين العرب متباينة ومتناقضة، وبخصوص الجواب الذي تقدمه الحركة فهو ينطوي على شقّين؛ نظري يقول بالتمايز بين الدعوي والسياسي، وعملي يدفع نحو الفصل على المستوى التنظيمي. ويبدو أن السياق السياسي كان مؤثرا في بلورة هذه الإجابة، فالتمايز كان جوابا عن سؤال الفصل، ذلك السؤال الذي طُرح على الحركة بحدة من قبل الدولة بعد سنة 2003، ومن قبل القوى الحداثية كذلك، وإن بخلفيات متباينة، فالدولة ضغطت من أجل فصل الحركة عن الحزب لإضعافه سياسيا وانتخابيا، وأيضا لإضعاف الحركة حتى يتسنى لها احتكار وتأميم الشأن الديني.

هل يعني ذلك أن الحركة، من خلال التوجه اليوم نحو الفصل، تكون قد استجابت للسلطة؟ هناك آراء داخل الحركة وخارجها تقول بهذا الرأي، لكن لا يبدو الأمر كذلك. في تقديري، يجب أن نُميّز بين موقف السلطة قبل 2011 وبعدها. قبل 2011، حرصت السلطة على تفعيل التوجه الذي عبّر عنه الخطاب الملكي لـ29 ماي 2003، الذي دعا إلى الفصل بوضوح بين الديني والسياسي، إلا على مستوى إمارة المؤمنين، وقد سعت أجهزة السلطة بكل الطرق إلى إرغام الحركة والحزب على الامتثال لهذا التوجه، وهو ما استجابت له جزئيا من خلال أطروحة التمايز. لكن، بعد 2011، بدأ موقف دولتي آخر في التبلور، لقد لاحظت الدولة، على خلاف نماذج عربية أخرى، أن الحزب هو من يؤثر في الحركة وليس العكس، وأن الحركة، حتى حين تبنت خيار التدافع في مجال القيم والأخلاق، كانت تضبط أداءها بالشكل الذي لا يُحرج الحزب، خصوصا بعد وصول هذا الأخير إلى الحكومة سنة 2011. بل إنها بعد مؤتمر 2014 ألغت خيار التدافع بحمولته القرآنية لصالح لغة الإدارة، مثل التعاون والتشارك. لم يعد الفصل مطلبا ملحا للدولة كما كان، مادامت قادرة على التأثير في الحركة من خلال الحزب.

واليوم، إذ تتقدم الحركة نحو خيار الفصل، فليس لكي تجيب عن سؤال العلاقة بالحزب، بل لتجيب عن سؤال علاقتها بالسلطة، التي ترى في الحركة منافسا لحقل إمارة المؤمنين، لأنها توفر نموذجا للتدين الوسطي المعتدل في فضاءات المجتمع الواسع، وهو النموذج الذي يزعج السلطة وأجهزتها الرقابية والضبطية، ويحد من سياسة تأميم الدين والتدين. إن خيار الفصل، إذ يُتيح للتوحيد والإصلاح قدرة أكبر على الحركة، من شأنه أن يُزعج السلطة أكثر لأنها المستغل الأصلي للدين.