ما الهدف من تأزيم الأوضاع في المغرب؟

ما الهدف من تأزيم الأوضاع في المغرب؟

تتفق الدراسات الاجتماعية والاستراتيجية، الخاصة بتحديد دور الأزمنة الثقافية والاقتصادية للشعوب، المتأرجحة بين الدفع من الوراء والجذب من الأمام، على أن من أسباب تقدم أي أمة أو دولة يتطلب زوال التوترات السلبية، والقلاقل والاضطرابات الاجتماعية، من خلال تحقيق الأمن النفسي، والأمن الاجتماعي، والأمن الاقتصادي والسياسي لكل مكونات المجتمع. وحين التمعن في أحوال البلدان المتقدمة نكتشف أنها حققت الحد الذي يضمن تحقيق الازدهار الجماعي لشعوبها، وأن غالبيتها تعيش عيشة مريحة في حاضرها، وتنظر إلى مستقبلها باطمئنان.

لكن الأمر ليس، كذلك، بالنسبة إلى الدول التي عجزت عن تخطي وضعية الدول المتخلفة، الموصوفة بالسائرة في طريق النمو؛ طريق لا نهاية منظورة له، لا يوازيه إلا طريق “الانتقال الديمقراطي”، أو طريق “التنمية المستدامة” الشائعين في جعجعة دعايتنا السياسية. فما الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ عاش المغرب بعد استقلاله عن فرنسا سنة 1956 في ضباب توجسات مخيفة، وتوترات مرعبة، ونعوت حاطة من قيمة مواطني مناطق مغربية كاملة، وصراعات مضنية على السلطة، وصلت حد التآمر المتبادل، بمبررات وشعارات متعددة في ألفاظها وأهدافها وغاياتها.

فغاب شركاء الوطن عن توفير شوط بناء الدولة الوطنية المزدهرة للجميع، وحضر فرقاء طلاب لذة السلطة، وهي لذة تتفوق على أي لذة أخرى، كما هو معروف. ونجم عن ذلك أمران خطيران أولهما، دخول الجميع في أحوال ليست بعيدة عما أشار إليه القرآن الكريم في قوله: “إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله” (آل عمران” 140). والمس الذي نشير إليه هنا هو الخوف، والاضطرابات الاجتماعية، والقلاقل المؤدية إلى فقدان الأمن والأمان، أي الدخول في حالة من الفوبيا المتبادلة. والأمر الثاني، تعطيل تنمية المغرب تنمية حقيقية، وفقا لما كان مأمولا من قِبل شعبه. ونجم من جراء ذلك أن المغرب بقي يتأرجح بين عقم الحاضر وضبابية المستقبل. وفي الوقت نفسه كان هناك من استفاد مما جرى، وحصن نفسه من غوائل الزمن. بعد تولية محمد السادس الحكم، صيف 1999، ظهرت عدة إشارات توحي بأن عهدا جديدا قد بدأ يبزغ في سماء المغرب، كل المغرب، من خلال ما أشيع عن الملك الجديد بأنه ملك الفقراء، وما بادر به من زيارات لأقاليم كانت مغضوبا عليها، والصدمة الإيجابية من اللغة الجديدة التي تميزت بها الخطابات الملكية، مما جعل ملاحظين يرون فيها لغة يتجاوز مضمونها لغة الأحزاب مجتمعة. وتعزز أمل الخروج من نفق سنوات الجمر بقرار المصالحة وجبر ضرر تلك السنوات، ورافق ذلك إعلان ما أطلق عليه “الأوراش الكبرى” كأبواب حقيقية تُشرع على المغرب المنشود. وغير ذلك من مروّجات “الإصلاحات ضمن الاستقرار”.

وكان الأمل قويا في أن يخرج المغرب من الدول السائرة في طريق النمو لينخرط في “الدول الصاعدة”، مثل أندونيسيا وتركيا ورواندا وإثيوبيا إلخ… وربما كان دستور 2011 لبنة إضافية تؤكد نظريا تلك المروجات. فهل تحققت؟ لكن أصحاب النيات الحسنة نسوا أن الذين ورثوا السلطة عن الاستعمار، ثم ورّثوها لأبنائهم، والذين بنوا جاههم ونفوذهم طوال سنوات الرصاص، أنهم لن يتجاوبوا بسهولة مع طموحات المغاربة في تحقيق مغرب لجميع المغاربة؛ أولئك الذين وصفهم عبدالرحمان اليوسفي بـ”جيوب المقاومة”، فأبعد من الحكومة. أما بنكيران، فقد استعمل وصف “العفاريت والتماسيح”، قبل أن يرغم على القول: “عفا الله عما سلف”، ورغم ذلك عوقب بإبعاده عن الحكم كسلفه، لأن المتحكمين في واقع المغرب ومصيره لا يرون فيه إلا ما تختزنه مغاراته. وحين يشعر المتحكمون بأن خطرا ما يهدد أو يعرقل مصالحهم يفتعلون الأزمات. ولسبب ما يختارون مناطق كان معظمها تحت الاحتلال الإسباني، المهمشة والمقصية طيلة عقود الاستقلال من أي امتياز وطني . فإذا استثنينا أحداث جرادة وتنغير الأخيرة نكتشف أن تأزيم الأوضاع في العهد الجديد انصب أكثر على مناطق: سيدي إفني 2008، وأكديم إزيك في وادي الذهب 2010، والريف 2016. فما النتائج المستهدفة؟؟؟

علي الإدريسي