فشلوا في الأدب.. فهل نجحوا في السياسة؟

قديما قالت العرب: “الناقد شاعر فاشل”. ومع تطور النقد والدراسات الأدبية واللسانية والعلوم الإنسانية، تهاوت هذه المقولة، وأصبح كثير من النقاد ودارسي الأدب يفوقون كثيرا من الأدباء والشعراء حظوة وعمقا وشعرية. لكن، هل السياسي أديب فاشل؟ هذا يمكن التدليل عليه، فكثير من الحكام بدؤوا أدباء وانتهوا شيئا آخر.

الحسن الثاني شاعرا..

يحكي الحسن الثاني في كتابه “ذاكرة ملك” أن والده محمد الخامس، عندما لاحظ ميله المبالغ فيه للموسيقى، خيره بين العزف على وتر الحكم أو وتر الفن. ما لم يكن محمد الخامس يعرفه هو أن ولي عهده كان يستعد لضبط إيقاع جوقة سياسية متنافرة الأنغام السياسية. عرف الحسن الثاني، الذي كان عازفا لعدة آلات موسيقية أبرزها الأكرديون، كيف يوظف الفن والفنانين في سياساته، فكل إنجازاته وثــّقها شعراء وموسيقيون ومسرحيون. الحسن الثاني كان أيضا شاعرا، فقد روى مؤنسه “الفقيه بين بين” كيف تفتقت قريحته الشعرية، ذات ليلة، فأنشد قصيدة غزلية تقول: “لها نهدٌ كأنه حُقُّ عاج / وذراعٌ يستلفتُ النظراتِ”.

القذافي مفكرا..

ليس هناك من بين رؤساء وملوك الدول العربية من أنتج كتبا بغزارة وتنوع الزعيم الليبي معمر القذافي، فكتاباته تراوح بين السياسي والاقتصادي والأدبي، كما أنها كانت تحظى حال صدورها بندوات ومؤتمرات ورسائل دكتوراه؛ تسلط الضوء عليها. من أهم مؤلفات القذافي في السياسة، كتاب “إسراطين أو الكتاب الأبيض”، الذي قدم من خلاله خارطة طريقه للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فالكتاب عبارة عن استجماع لأطاريح سابقة لمفكرين وسياسيين لإنشاء دولة واحدة لليهود والفلسطينيين. من مؤلفات القذافي الأدبية “عشبة الخلعة والشجرة الملعونة” و”ملعونة عائلة يعقوب، مباركة أيتها القافلة” و”القرية.. القرية، الأرض.. الأرض، وانتحار رائد الفضاء”/ التي كتب حولها الناقد المغربي “بشير القمري” دراسة بدأها بقوله “إننا نعرف أن الأخ القائد معمر القذافي يمارس الكتابة منذ فترة بعيدة، كما يدل على ذلك الكتاب الأخضر”.

صدام روائيا..

تنسب للرئيس العراقي الراحل صدام حسين أربع روايات هي “اخرج منها يا ملعون”، وهي رواية بطلتها “نخوة” العراقية التي تستنهض في قومها النخوة العربية لمواجهة عدو يسعى إلى السيطرة على أرض الماجدات. ورواية “القلعة الحصينة” وتحكي قصة حب بين شابين بعثيين وفتاتين إحداهما كردية والأخرى عربية، وفيها أوضح صدام مواقفه من الشيوعية ومن إيران كما حاول أن يبرر، في هذه الرواية، غزوه للكويت. أما رواية “رجال ومدينة”، فهي سيرة ذاتية يتباهى فيها صدام بـ”نجم سطع في سماء العراق.. وفارس ليس كالفرسان من آل المجيد”، ثم رواية “زبيبة والملك”. وإذا كان صدام قد أحاط نفسه دائما بجيش من الشعراء والكتاب، فإن كثيرا ممن بقوا منهم كانوا يتهامسون بأن الأديب عزيز السيد كان هو قلم الرئيس السري لفترة طويلة قبل أن يقتله ببرودة روائي محترف، ويلجأ إلى كتاب آخرين. عن ذلك يروي شاعر صدام، رعد بندر، أن كاتب” زبيبة والملك” لم يكن غير الروائي المصري الراحل جمال الغيطاني.

 

ستالين شاعرا..

تعتبر جرائم الديكتاتور السوفياتي، ذي الأصول الجورجية، جوزيف ستالين، في حق شعراء زمانه، استثناء لم يأته ديكتاتور من قبل ولا من بعد. فقد سجن ونكل وقتل المئات من الكتاب والفنانين والشعراء الذين كان يقودهم جماعات إلى السجون والمشانق. فحتى قبل أن يتسلم مقاليد الحكم، كان ستالين يدبر المكائد ويصك التهم للشعراء، فيرميهم بالخيانة والتقاعس. وقد أعدم ستالين، بدءا من سنة 1921، مجموعة من الشعراء الشباب مثل نيكولا غوميليوف، وبوريس كورنيلوف، ونيكولا كلوييف… وفي هذا المناخ سينتحر الشاعر الكبير ماياكوفسكي يائسا من خنق حريته سنة 1930. ومع سنة 1940 سيظهر ستالين عن كره مرضي تجاه المثقفين، حيث سيقدم على التوقيع على إعدام آلاف الكتاب والشعراء البولندين، الذين رفضوا إخضاع بلدهم للهيمنة السوفيتية. فلماذا هذا الكره للأدباء؟ المعروف أن جوزيف ستالين كان قد تعاطى حرفة الشعر، كما تقول العرب، منذ نعومة أظافره، ففي سن 16 كان ينشر قصائد رومانسية في مجلة “أفريا” الجورجية تحت اسم “سوسيلو”، وقد جمعت قصائده ضمن أنطولوجيا للشعر الجورجي، كما كان ستالين في طفولته وشبابه مغني حفلات.

 

هتلر رساما

لم تكن مشاركة أدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية، إلا ملأ لفراغ خلفه رفض تسجيله في كلية الفنون الجميلة في فيينا. فالشاب الذي رسم عشرات اللوحات المائية لمناظر طبيعية ذات مسحة رومانسية، دون أن يحالفه الحظ لولوج الكلية، سيبرع في رسم مشاهد النار والدم والأشلاء، بل إن أعماله الخالدة، تلك، ستظل استثناء في القسوة والوحشية. يعتقد الكثير من دارسي شخصية هتلر أنه تلقى عددا من أفكار كبار الفلاسفة والمفكرين واستعملها بشكل سلبي، مثلما فعل مع أفكار الفيلسوفين “نيتشه” و”فيخته”، أما الكاتب الأمريكي تيموتي رايباك صاحب كتاب “مكتبة هتلر الخاصة”، فيقول إن أهم الأسباب التي أثرت في شخصية هتلر ودفعته للتطرف العنصري ضد اليهود؛ هي قراءته لكتاب “انحدار العرق النبيل”، الذي دعا فيه مؤلفه إلى رفض المهاجرين، وكذا كتاب “فلهنري فورد”، صاحب شركة فورد للسيارات المعنون بـ”اليهودي الدولي، أكبر مشكلة في العالم”. أما عن علاقة هتلر بالمثقفين فقد ظل “الفوهرر” يسميهم “المتطاولون على الثقافة”، مثلما أصبح يكره الفن التشكيلي ويعتبره مؤامرة يهودية على الثقافة الآرية. “لقد كان هتلر يعاني من عقدة نقص كبيرة حيال مستواه التعليمي المتدني، فهو ترك المدرسة ولما يبلغ 15 عاما، وقد كانت ثقافته ضعيفة.. وقد رُفض في كلية الفنون لكونه كان رساما فاشلا، وحين وصل إلى السلطة صب جام غضبه على الرسامين المجددين، فأحرق لوحاتهم وقتل بعضهم”، حسب “تيموني رايباك”.

 

تشرشل أديبا

ذات يوم وقف ونسطون تشرشل، في تأبين أحد السياسيين، وكان القس يقول: “هنا يرقد السياسي الكبير والرجل الصادق”، فانحنى رئيس وزراء المملكة المتحدة على شخص يقف جنبه وعلق: “لأول مرة أرى شخصين في قبر واحد”. رغم أن تشرشل استطاع أن يكون سياسيا براغماتيا، ومقاتلا ضد الفاشية، وأديبا صادقا في كتاباته. فمن مكر الصدف أنه في الوقت الذي كان يوقع فيه على البدء بإنتاج القنبلة الهيدروجينية، عام 1953، أعلن عن فوزه بنوبل للأدب..