المعدلات العليا والدرجات السفلى

المعدلات العليا والدرجات السفلى

 

لا أعرف كيف يفكر ويقرر خبراء المناهج ومخططو العملية التعليمية ببلادنا، لكني ألاحظ أن كثيرا من القرارات تعمل على تدمير العملية التعليمية، عوض بنائها وتطويرها.

ولنعطي مثالا بالمعدلات العليا التي تطلبها الكليات والمدارس والمعاهد الكبرى من أجل التسجيل في المباريات.

يحصل التلاميذ على شهادة الباكلوريا، وللتسجيل في المعاهد والمدارس العليا ينتظرون تحديد الحد الأدنى المطلوب في معدلات النقط: 16/20، أو 17 أو أكثر، وبعدها يجتازون المباريات .

قد تبدو العملية بريئة وطبيعية، لكنها في الواقع من أخطر وأكبر أسباب فشل المدرسة المغربية كفضاء للتربية والتكوين .

من مخلفاتها المباشرة أن التلاميذ في السنة أولى الثانوي يبدؤون عملية البحث عن نقط مرتفعة مهما كان الثمن، لأنهم يعرفون أن النجاح بمعدلات مثل 10،12، أو حتى 15 لا قيمة له..

هناك أطراف أخرى تجدها فرصة سانحة لابتزاز الآباء والتلاميذ لضمان الحصول على النقط المرتفعة: من أساتذة منعدمي الضمير، وآخرين يرضخون لضغوطات الآباء وتوسلاتهم وإغراءاتهم، إلى الساعات الإضافية، الارتشاء بشتى أشكاله، مدارس تتخصص في مثل هذه “السوق” …

يتم إرهاق التلاميذ نفسيا وجسديا، وإرهاق الآباء نفسيا وجسديا وماديا، والضغط على الطاقم التربوي الجاد، وتحويل العملية التعليمية من عملية لكسب المعرفة والمهارات إلى التسابق نحو الأرقام الأعلى، بغض النظر عن أي معطيات تربوية أخرى.

وهكذا يتم إرهاق وابتزاز التلاميذ سنــــوات قبل حصولهم على الباكلوريا .

ويتم إرهاق وابتزاز عائلاتهم، ويتم تسميم وتخريب العلاقة بين التلاميذ والأساتذة من جهة، وبين المدرسة ومحيطها من جهة أخرى.

ولا تقف العملية عند حد الباكلوريا بسنواتها الثلاث، ولكن هذا السباق المحموم يمتد إلى ما قبل الثانوي، بل إلى القسم الأول الابتدائي، حيث الآباء يسابقون الزمن، ويريدون من أطفالهم أن يكونوا حاصدي النقط العليا من التحضيري حتى يتمكنوا من الثبات على هذا المستوى، وبالتالي الحصول في الباكلوريا على معدل عال، يضمن الدخول لكليات الهندسة أو الطب أو غيرها….

هذه الحرب الضروس يخوضها التلاميذ رغما عنهم، ليس بغية الحصول على معارف وأسس صلبة، ولا حتى على مراكز متقدمة، ولكن للحصول على أرقام دائما للأعلى …

أكبر مدمر للعملية التعليمية وللتلاميذ وللأسر وللطاقم التربوي، وللعلاقة التربوية بين المدرسة ومحيطها، أكبر عدو هو بدعة الحصول على معدلات عليا للمشاركة في المباريات…

تُرى، ماذا لو قررت الوزارة أن التسجيل في المباراة يكون مفتوحا أمام جميع الناجحين في الباكلوريا الحاصلين على معدل 12، فما فوق؟

صحيح سيكون على الوزارة إعادة النظر في الوسائل المادية والبشرية المخصصة للمباريات، لأنها ستستقبل أعدادا هائلة من الطلبة. وسيتطلب الأمر إعادة النظر في نظام المباريات والأسئلة المطروحة حتى تمكن المباريات من فرز حقيقي للمتقدمين، لكن هذه أشياء مقدور عليها والنتيجة ستكون مبهرة على النظام التعليمي.

لن يعود التلاميذ والآباء والأساتذة تحت ضغط البحث عن الأرقام الهلامية. وستعود العملية التعليمية لهدوئها الطبيعي، ولأهدافها الحقيقية. ولن يجد السماسرة ولا المرتشون، ولا تجار الأزمات، الفرص التي يبحثون عنها.

من شأن ذلك إرجاع بعض الهدوء والطمأنينة للعملية التعليمية من سنواتها الأولى إلى الجامعة. وسترتاح الأسر ويرتاح التلاميذ ويتفرغون لمهمتهم الأصلية والأساسية والتربوية: التعلم واكتساب المعارف والمهارات. وستزول الإكراهات التي ترهق التلميذ والأسر وتفقرهم وتدمير العلاقة التربوية وتخلطها بمظاهر لا علاقة لها لا بالتربية ولا بالتعليم… سيتم تحرير رقاب الناس…

طبعا، هناك معطيات أخرى ومصائب أخرى تفسد التعليم يتوجب معالجتها، لكن على الأقل ألا نفسده نحن بقرارات إدارية تخرب ولا تصلح.

اشتراط المعدلات العليا سبب من بين أسباب أخرى تجعل المدرسة المغربية في خصومة مزمنة مع محيطها، وفي ترتيب بلادنا في أواخر التصنيفات من حيث التعليم، ومن حيث التنمية…

الطيب حمضي