كبرنا بسرعة!

كبرنا بسرعة!

بقدرما فرحت عندما سمعت أن الصديقة هدى الريحاني كُرّمت في مهرجان سلا الدولي لسينما المرأة، بقدرما أحسست بمزيج من الحسرة وخيبة الأمل، لأن التكريم عادة يأتي في نهاية المشوار، بعدما يكون الفنان شارك في لائحة طويلة من الأعمال، واستنفذ طاقته الإبداعية، فيما هدى لاتزال في قمة عطائها، لم تظهر إلا جزءا بسيطا مما عندها، ولم يستفد منها المسرح ولا السينما ولا التلفزيون كما ينبغي. ممثلة استثنائية، تؤدي أدوارها بكثير من الاحترافية وبعفوية مدهشة، وتستحق فعلا أن نحتفل بها، لكن من خلال مشاهدتها في أفلام ومسرحيات وأشرطة سينمائية جديدة، وجديرة بطاقتها الإبداعية، لا من خلال درع برونزي وكلمات جوفاء، بصيغة الماضي!

مع الأسف، لم تُستثمر طاقة هدى الريحاني كما يجب، مثلما لا تُستثمر كثير من الأشياء الثمينة في “أجمل بلد في العالم”. أكبر دليل على أن الفن في المغرب يمشي على رأسه هو غياب هدى عن الشاشة الصغيرة والكبيرة في الآونة الأخيرة، أيا كانت الأسباب. المشهد الفني مستنقع كبير، وعليك أن تتحول إلى “فَكْرُون” كي تستطيع العوم فيه، أو إلى طحلب لا يزعجه العفن كي تضمن وجودا مستمرا في مختلف الإنتاجات. مثل كثير من الفنانين والفنانات الذين يحترمون أنفسهم، فضلت هدى الهجرة إلى كندا من أجل تأمين مستقبل أفضل لها ولعائلتها، بدل الغرق في المستنقع. هناك غرقت في حياتها الجديدة، أقصى الثلج، وابتعدت تدريجيا عن الساحة، بسبب المسافة، مثلما ابتعد كثيرون قبلها وبعدها. جميل أن يتذكرها مهرجان سلا ويعيد إليها الاعتبار، لكن في الوقت نفسه، من المؤسف أن نراها تتحدث عن مشوارها بصيغة الماضي، في الوقت الذي كان يفترض أن تأتي إلى المهرجان كي تقدم فيلما جديدا، وتتحدث عن مشاريعها في الحاضر والمستقبل.

لا يمكن أن نلوم أحدا على مغادرة البلاد، لأن ممارسة الفن في المغرب أصبحت نضالا ومقاومة. قبل أيّام، استنكر البعض “هجرة” خمسين خريجا من المعهد العالي للفن المسرحي إلى الإمارات كي يدرّسوا المسرح في مؤسساتها التعليمية ويحصلوا على رواتب محترمة تمكنهم من العيش الكريم. الحدث مؤسف فعلا، لأنه يحرم المشهد الفني من شباب في قمة العطاء، صرفت عليهم الدولة أموالا في التكوين والتعليم، لكنها لم “تكمل خيرها” وتركتهم عاطلين عن العمل. لو وفرنا لهؤلاء بيئة سليمة تستوعب طاقاتهم وطموحاتهم لما غادروا بشكل جماعي. “حتى مش ماكيهرب من دار العرس”!

رغم سياسة الدعم والتوطين وبطاقة الفنان وكثير من الشعارات… مازال الفن في المغرب مغامرة محفوفة بالمخاطر. ارتماءة في المجهول. الكثيرون يضيعون عمرهم في التضحية من أجل إسعاد الآخرين، وفي النهاية يجدون أنفسهم في أرذل العمر بلا تقاعد ولا راتب ولا بيت ولا أسرة. قليلون فقط، يستطيعون العيش من فنهم. الممثل الذي يخلص لمهنته لا يربح شيئا في النهاية الا التهميش والجحود. عندما تسمع فنانا مشهورا مثل محمد مفتاح يتحدث عن ضيق ذات اليد، ويرمي الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال، لا يسعك إلا أن تتحسر على وضع الفن في هذا البلد!  أعود إلى تكريم هدى الريحاني، أعتقد أن ما أزعجني في حقيقة الأمر هو أنها كانت زميلتي في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، حيث اقتسمنا الأحلام والحماقات. التكريم يأتي في نهاية الخدمة، ولا يعني شيئا آخر غير أننا كبرنا… عشرون سنة مرت على تخرجنا من المعهد، كأنها أمس أو السنة الماضية، يكفي أن أشاهد وجها أو صورة كي أعود إلى “الاوداية” وتتناهى إلى مسامعي أصوات تردد أغنية “إفريقيا” لمجموعة “لرصاد”، التي كنا نعتبرها، لأسباب غامضة، “نشيدنا الوطني”، كلما اجتمعنا في حفلة أو سهرة. الصديق مصطفى بهجة كان يغلق عينيه وهو يردد اللازمة: “إفريقيا/ إفريقيا/ إفريقيا…. ونحن نردد وراءه، قبل أن يواصل في كثير من الانسجام: “جميلة أنت/  فتية أنت/ سمراء فاتنة ساحرة / سلبت كل العيون/ جمعت كل الفنون/ إنسانك شاب في العشرات الثانية/ إنسانك شبح عانق الأرواح…”، فيما  عبدالصمد مفتاح الخير يعزف العود، وليلى التريكي تداعب الگيتار وهدى الريحاني ترقص، وبشرى إيجورك ترفع صوتها الطفولي بالغناء… أحاول أن أتذكر فيلما ترسخ في الذاكرة لهدى ولا أتذكر إلا “البرتقالة المرة”، الفيلم الناجح لبشرى إيجورك. بشرى كانت أصغر زميلة في دفعة “إفريقيا” بالمعهد العالي للمسرح… لماذا كبرنا بكل هذه السرعة؟!.