«يسار إباحي»

«يسار إباحي»

في دائرة انتخابية يصل عدد السكان المقيمين بها إلى 211 ألف شخص على الأقل، حصل تكتل يساري على 211 صوتا. أي ما تساوي نسبته 0.1 في المائة. النتيجة قاسية، لكنها لا تعكس شيئا بالنسبة إلى تشكيل سياسي ككفدرالية اليسار الديمقراطي. إن اليسار يخوض معاركه الانتخابية دون أي شعور بالنقص، فهو يملك رؤية مسبقة عما سيحدث. الخسائر المتتالية أصبحت جزءا من اللعبة.

لعشرين عاما، ذبلت ملامح اليسار، وتلك إحدى الحقائق الواقعية في السياسة المغربية. لكن اليساريين المحليين يؤمنون بأن الفرص مازالت متاحة، وهم مقتنعون بأن الناس لم يتخلوا عن اليسار، وهذه فكرة غريبة تسقط في مواجهة بيانات النتائج الانتخابية، التي تشير بوضوح إلى سباق الكيانات اليسارية نحو من يحصل على خسارة أقل إيلاما، وليس على ربح أكبر.

لا يواجه اليساريون أحدا، فهم يواجهون بعضهم البعض، وهذه أيضا قاعدة شرطية في تحليل السلوك الانتخابي لليسار المغربي. وإذا لم يفعلوا ذلك، فإنهم يركنون إلى الصمت، كما فعل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عندما لم يستطع أن يرشح أحدا في تلك الانتخابات الجزئية التي خسرتها فدرالية اليسار الديمقراطي. وهذا الإعلان المبكر للهزيمة بات يشكل حالة نمطية لدى أحزاب اليسار.

رغم ذلك، يستطيع إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، أن يحول الخسائر إلى أرباح، وقد فعل ذلك، بالطريقة السوفسطائية المعتادة في حسم الجدل. تحدث لشكر، وهو البارع في تنسيق الأفكار الخالية من أي معانٍ واقعية، عن «يسار إباحي»، حيث يصبح فعل أي شيء كيفما كان متناقضا مع أي شيء يساري، مباحا وحلالا. وفي الواقع، فإن لشكر برع في فعل ذلك، منذ سلم مفاتيح حزبه إلى الجماعة التي قررت مصيره قبل سنتين. لا ينظر الناس إلى الاتحاد الاشتراكي كحزب يساري في الوقت الحالي، وأغلب فروعه المحلية تدين بالولاء للمنسقين الإقليميين لحزب التجمع الوطني للأحرار.

ولئن كانت الخيارات التي اتبعها لشكر مفيدة للأطر ذات الميول الانتهازية في حزبه، فإنها قد أضرت بسمعة اليسار على كل حال. والمشكلة بالضبط هي في تحول باقي اليساريين إلى «سياسيين إباحيين» كذلك. إن مفردة الإباحية تلخص كل تلك المشقة الذهنية في فهم سلوك جزء من اليسار المتحفظ على بعض التكتيكات السياسية. وليس مستغربا أن يميل حزب، كالطليعة الديمقراطي الاشتراكي، إلى التشدد في مسألة حج أمينه العام دون الحصول على ترخيص مسبق من لدن مكتبه السياسي، أو أن يعارض حزب كالاشتراكي الموحد الخطو خطوة واحدة في مسيرة بجانب الإسلاميين. تلك خطوط فاصلة تشبه الخنادق التي كان يحفرها الجنود في الحروب للاحتماء من ضربات العدو، وإلا فإن تلك الخنادق ستصبح دون أي دلالة إذا قرر الجنود مغادرتها واقتسام قنينة شمبانيا مع العدو، ثم العودة في الصباح الموالي إلى الخنادق. تلك المشاهد ذات الطابع الإنساني لا يمكن أن تصبح مجردة في أي مكان، وإلا جردت صاحبها من أي دافع لمقاومة الاضمحلال الذاتي.

أما وقد أصيب الاتحاد الاشتراكي بالتلف، فإن ذلك يشبه، بالنسبة إلى باقي اليسار، قطعة غيار مدمرة في سيارة وجب استبدالها لكي تستطيع العربة الحركة مرة أخرى. كان الاتحاد مثل ناقل الحركة في السيارة، يسمح بتوزيع طاقة المحرك على عجلات اليسار وهو يسير على الطريق السيار الذي ضبطت الدولة السرعة المحددة فيه. لكن حان الوقت للتخلص من ناقل الحركة بعدما لم يعد يعمل سوى لنقل السرعة في الاتجاه الخلفي.

إن البحث عن ناقل حركة جديد يبدو عملا مضنيا في الوقت الحالي، فاليساريون الجالسون على دكة البدلاء لا يبدو أنهم متحمسون للقيام بهذه المهمة مثلما كان يفعلها الاتحاد الاشتراكي. وحتى من يعرب عن لهفة شديدة لفعل ذلك، كفدرالية اليسار الديمقراطي، مازال يشغلهم البحث عن عجلات مناسبة، ومقود ملائم.

في كلمته أمام مجلسه الوطني الأخير، ألقى لشكر شعرا في حزبه قائلا: «نحن اليسار الذي يشارك والذي يعارض، نحن اليسار الذي يخطئ ويصحح أخطاءه، نحن اليسار الذي يتراجع والذي يتقدم، نحن اليسار الوطني التقدمي. نحن اليسار الحداثي الديمقراطي، نحن اليسار العقلاني الواقعي، نحن اليسار الذي يؤمن بالتدرج في النضال الديمقراطي، والذي ينفتح ويفاوض، ويحالف ويمد يده، ويتعاون مع قوى التقدم في هذا البلد من أجل تقدم هذا البلد».

وهذا، لعمري، لغو إباحي، ومن لغا فلا «جمعة» انتخابية له.