ياسمينة خضرا: الإنسان قادر على ممارسة التعذيب والقتل رغم إنسانيته»

  هل يتمتع الكاتب بجميع الحقوق، كأن يلبس ثوب إرهابي مثلا؟

*** لا، لا أسمح لنفسي بأي حق أو حرية. لا حق لي في الخطأ، حيث ينبغي أن أتحلى بالحذر، عندما أبني شخصية ما تقع على طرفي نقيض لشخصي. لتوضيح الأمور بشكل جيد، يجب على الكاتب أن يترك مكانه للشخصية. لكن تجسيد شخصية إرهابي لا يعني التغاضي عن أفعاله، لكونها مرعبة، ولأنها ستبقى كذلك دائما.

   يروم خليل شرح أسباب سعيه إلى ارتكاب فعل شنيع. ألا يعني ذلك أنك تعطيه الكلمة؟

لقد خضت ضدهم حربا مسلحة طيلة ثماني سنوات. وعشت ذلك بلحمي وروحي. اليوم، ورغم مرور عشرين سنة، فإن هذه الأمور مازالت غامضة. كانت مهمتي الخاصة تقتضي أن أسكن رؤوسهم، حتى نستبق الأحداث. إذ كنت رئيس فرق المراقبة العسكرية في اثني عشر مقاطعة، حيث كان ينبغي أن أعرف كيف يفكرون، وما يعتزمون فعله، ولِمَ يفعلونه، وكيف يتصرفون عندما تعترضهم العراقيل. لم أكن أفعل غير هذا خلال ثماني سنوات. هكذا، فأنا أدرك كيف يعملون ويحاولون تبرير أفعالهم. كان من المهم معرفة ذلك. وقد تناولت هذا المسار في روايتي “بم تحلم الذئاب”، قصد فك الألغاز التي تكتنف المسار المنحرف الذي يغرق رجلا عاديا في الجنون. حصل ذلك في الجزائر، لكنه هو المسار ذاته الذي حصل في بلجيكا أو فرنسا. فهذا المنزلق العصي على الفهم أحيانا، هو الذي ينبغي توضيحه وتفكيكه من أجل محاربته. ففي آخر الرواية، يواجه خليل جريمته ومصيره، حيث لم يعد بإمكانه أن يكذب على نفسه. ذلك أن الألم الذي يعيشه يحيله على الألم الذي سيلحقه بالآخرين. هناك شخصية مهمة أخرى، هي نقيض خليل تماما، وهو ريان الذي لم يفلح في فهم كيف تمكن إمام مزيف من إقناع شباب بسهولة بالغة بالإقبال على الموت. ففي نظره، يعمل هؤلاء الأئمة كأنهم ينتمون إلى طائفة متطرفة وحاقدة. إنهم جائحة.

  ألا تكمن المجازفة في أنك تجعل كائنا ارتكب أفعالا بربرية إنسانيا أكثر؟

لا ينبغي الاعتقاد أن ديكتاتورا ما، أو جهاديا أو نازيا جديدا يكف عن أن يكون إنسانيا. للأسف، فالإنسان قادر على التعذيب، والكذب، والقسوة، والخيانة… عندما نقول “إنسانية”، نميل إلى غض الطرف عن الجانب الطيب، لكن الإنسانية تنخرط، أيضا، في كل ما يتجاوز الإدراك، خاصة الهمجية والمؤامرة… تكمن المجازفة في ألا نتحدث عن أناس لا يحبون الإنصات. يكفي فقط، أن نتملك الموضوع جيدا، عندما نتحدث عنه. يراودني الانطباع أنني أعرف هذا الموضوع معرفة جيدة. إذ كنت متأكدا أن في جعبتي شيئا سأقوله في هذه الرواية، فمن الضروري أن أقوله. لكن أن أرويه بضمير الغائب جعل من الكتاب مقالة سوسيولوجية. هذا الاختيار في استعمال “أنا” جعل السرد متماسكا وملموسا أكثر. لم تكن تحدوني الرغبة في أن أترك هامش مناورة للقارئ، لأنه لا يستطيع الهرب من هذه الحقيقة. فالمشكلة تهم الجميع، إلا إذا كنا، بالطبع، غير راغبين في الاستماع.

 و ما الغاية من ذلك؟

مع هذه الرواية، أحاول أن أحارب التطرف، وأن أفك شفرة سيرورته. أردت بالطبع أن يُقرأ هذا الكتاب في الثانويات، وأن يقرأه الآباء. بهذه الطريقة، يمكن أن نلفت أنظار بعض الشباب، وأن نخرجهم من هذا السديم الذي يغمم أرواحهم. فالجهادية كذبة كبيرة يؤمن بها المتشددون. لكنهم يعرفون، في قرارات أنفسهم،- عندما يرون أنهم بصدد ارتكاب كل هذه الفظائع من اغتصابات ومذابح في حق الأبرياء- أن ما يفعلونه شر. لقد أفادتني تجربتي الجزائرية إفادة كبيرة. إذ آمن هؤلاء الإرهابيون في الجماعة الإسلامية المسلحة بخطاب بسيط، لكنه رهيب من حيث بلاغته. ذلك أن اعتراف بعضهم، في نهاية المطاف، أنهم كانوا دمى في أيدي مناورين قتلة.

   سبق أن تقمصت شخصية القذافي في روايتك “ليلة الريس الأخيرة”. هل كانت الشخصية معقدة أكثر؟

كان الأمر أسهل مقارنة مع خليل. لقد شغل القذافي عقولنا طيلة أربعين سنة. لقد عشنا معه، إلى حد ما. وتابعنا تحولاته، وهو ينتقل من الثوري الرمزي إلى كائن لم يختلف، في النهاية، عن الذين حكمونا في الجزائر.

عن “لوفيغارو”.