عار عليك يا أكوستا..

عار عليك يا أكوستا..

ينصح جل المتخصصين في فنون وتقنيات الكتابة التي يراد منها إبلاغ رسالة ما، سواء في مجال الصحافة أو الترافع أو الإعلان أو حتى التشكي، بعدم مباشر الصياغة والتحرير تحت تأثير الانفعالات العاطفية القوية، سواء منها التي تسببها شدة الفرح أو التي تنجم عن هول الصدمات والمآسي، لكن دعونا نفعلها هذه المرة ولنتحدث بعفوية ودون كثير حسابات.   فمشهد الصحافي الأمريكي الذي أصدر قاض عيّنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل بضعة أشهر، حكما يلزم هذا الأخير بإعادة تمكينه من الاعتماد الخاص بتغطية أنشطة البيت الأبيض لصالح قناة “سي إن إن”، لا يمكنه أن يمرّ علينا هكذا مرور الكرام.

لا عيب إن نحن توقفنا مرة لنكشف ضعفنا وهشاشتنا أمام مشهد أكاد أجزم أن على وكالات الأنباء الدولية والقنوات الفضائية، كانت ملزمة بإرفاقه بتحذير أسفل الشاشات وأعلى القصاصات، مفاده أن الخبر ممنوع على صحافة هذا العالم الذي يكاد البعض يحوّله إلى سجن مترامي الأطراف، من البحر إلى البحر، أو على الأقل إرفاقه بعبارة “مشاهد لا تناسب صحافيي الشرق الأوسط ومال إفريقيا”. لا مشكلة، أيضا، إن أنا اعترفت، وأنا المحسوب على قبيلة الصحافة التي لا نعرف هل ابتلينا بها أم ابتليت هي بنا، أن المشهد كان أقوى من قدرتي على التحمّل والاتزان. بل قد أقرّ بكل شجاعة، أيضا، أنني شعرت بالغيرة، أو ربما الحسد، ومن يدري علّه مجرّد غبن، في اللحظة التي كان فيها دونالد ترامب يقصف الصحافي جيم أكوستا ويوجّه له كلاما جارحا، من قبيل “عار على قناة “سي إن إن” أن تشغّل أمثالك””. ليس في الأمر أية “ماسوشية” أو نهل من أخلاق العبيد، كل ما في الأمر هو أن الرئيس الذي ترتعد فرائص حكام العالم ومحكوميهم من مجرّد شروعه في كتابة تغريداته الطائشة، لم يكن يملك في مواجهة صحافي أزعجه بأسئلته، سوى أن يطلق العنان للسانه ويقرّعه ويصفه بكلمات تحط من قدره.

دونالد ترامب، الذي يملك شفرة إطلاق الصواريخ النووية القادرة على إفناء العالم، لم يجد ما “يقمع” به صحافيا مشاكسا سوى تحريك لسانه والتلويح بيده وإرخاء وجنتيه غضبا والتململ من مكانه، مهددا بالانسحاب من الندوة الصحافية التي أعقبت انتخابات منتصف الولاية التشريعية في أمريكا.

تصوّر فقط، لوهلة واحدة وأنت الذي تتعثّر في بقايا صحافة تقطّع أوصالها يوميا في هذا الربع الخالي من العالم، كيف ستجلس هادئا أمام شاشة التلفزيون لتتابع كيف وقف صحافي أمام رئيس الدولة، هادئا وواثقا ومتمسّكا بطرح سؤاله كاملا رغم تأفف وانزعاج الرئيس. لم يحتج جيم أكوستا إلى ابتلاع ما تبقى من كلامه، ولا استعطاف الرئيس الغاضب بعبارات المجاملة وإثبات حسن النية، بل لم تتأثر ملامحه ولا فقد السيطرة على أعصابه ولا فكّر لوهلة واحدة أنه يحتاج إلى تعويض الميكروفون بـ”فردة” من حذائه يقذف بها وجه ترامب، كما فعل زميلنا منتظر الزيدي مع جورج بوش قبل سنوات.

نحن البؤساء المخيّرون بين الخضوع والخنوع وبين السجن أو التقطيع، كنا عاجزين لحظتها عن استيعاب الموقف، وكنا ككلّ متخلّف قابع في العهد الحجري من خريطة الحضارة الإنسانية، مطالبين بانتظار بضعة أيام لنجلس فاغرين أفواهنا في جيم أكوستا وهو يلتقط صور “سيلفي” من قلب العاصمة الفرنسية باريس، حيث كلّفته القناة بتعقّب آثار ترامب المشارك في لقاء دولي كبير احتفالا بذكرى إنهاء الحرب العالمية الأولى. وقبل أن نستيقظ من الصدمة أعادتنا الأخبار القادمة من وراء المحيط إلى غيبوبتنا، ونحن نطالع خبر الحكم القضائي الذي صدر ضد ترامب، ملزما إياه بالجلوس من جديد أمام جيم أكوستا لأن حرية الصحافة والتعبير لا تنضبط لمزاج رئيس ولا حاكم.

سرّ ما شاهدناه وتتبعناه كمن يتفرّج على فيلم للخيال العلمي، لا يكمن في شخص ترامب، ولا في جينات جيم أكوستا. فهذا الأخير قد يكون صحافيا كبيرا، وهذا أكيد، لكن المنطقة العربية أنتجت بدورها من الصحافيين من قد يفوقون أكوستا حرفية وتمكنا. أما دونالد ترامب، فهو يكاد لا يفوّت فرصة واحدة ليبيّن أنه لا يختلف عن أكثر ديكتاتوريينا سطوة وجشعا وتعطشا للسلطة.

السر الوحيد يكمن في الحصانة التي أحاطت بها المجتمعات الديمقراطية قوانينها ومؤسساتها، لهذا لا يجد ترامب في أقصى حالات غضبه الهائج، سوى النزول إلى حلبة مواجهة الكلمة بالكلمة والرأي بالرأي والاتهام بالاتهام. ولهذا، أيضا، وقف جيم أكوستا هادئا مطمئنا، لأنه كان يعلم أن الذي يقف أمامه فوق المنصة مجرّد رجل لن ينال كلامه الجارح من سلطة الإعلام الذي يمثله وسلطة القضاء الذي يستنجد به.

وكل تجرؤ على تجريب المقارنة وتخيّل تبعات إنتاج مشهد المواجهة نفسها في صحراء العرب، يعني دخول عالم صلصلة أبواب الزنازين وطقطقة العظام.