حوار مع بنكيران حول بوعشرين

حوار مع بنكيران حول بوعشرين

نشرتموه في الجريدة على لسان توفيق بوعشرين». كان بنكيران يقصد تدوينة توفيق التي يقول فيها إن «أصعب شيء يعذب السجين هو إحساسه بأن تضحياته تذهب سدى، ويبدأ صوت داخلي يقول له في ما يشبه التيئيس: لا يمكنك أن تساعد شعبا لا يرغب في مساعدة نفسه». سألت بنكيران: «ما الذي آلمك، بالتحديد، في تدوينة توفيق؟»، فأجاب: «آلمتني نبرة اليأس في ما قاله»، وأضاف: «إن ما نقوم به من أفعال، لا ننتظر أثره فورا. فمادمنا نعتقد أنه خير، فلنكن متأكدين من أنه سيسهم في الخير مستقبلا. لقد كان الأنبياء والمرسلون يدعون أعمارا طويلة ولا يستجيب لهم أحد أحيانا. وإذا كان توفيق قد قام بما قام به لمصلحة الوطن -وأظنه كذلك- فلم يكن عليه أن يقول ما قاله». أجبت: «لكن توفيق جوزي جزاء سنمار وعوقب بقسوة على ما قدمه، صحافيا ومثقفا، لبلده. أفلا يحق لمن اعتقل بالطريقة التي اعتقل بها توفيق، ولمن جرى التشهير والتشنيع به وبعائلته، مثلما فُعل بتوفيق، ولمن حكم عليه بـ12 سنة سجنا، فقط لأنه تجرأ وغنىَّ فوق سرير النائمين، أن يغضب، للحظة، ويخالجه اليأس، ويقول مع الشاعر علي محمود طه: ‘‘أنا من ضيع في الأوهام عمره’’»؟ قاطعني بنكيران: «هل تعرف الحديث النبوي الذي مطلعه: ‘‘عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ’’ (إلى آخر الحديث)»، قلت «نعم»، فقال: «هذا الحديث يعني الذين لم يتخلوا عن الرسالة التي أمرهم لله بتبليغها، ولم يتسلل اليأس إلى قلوبهم، وتوفيق يجب أن يكون من هؤلاء».

عندما انتهت المكالمة، تساءلت: إذا كان اليأس قد أصبح هو المحرك الوطني الأول لشعب لا يتردد في رمي نفسه في البحر، حتى إن «إلباييس» الإسبانية لم تجد ما تعنون به تحقيقها، أول أمس الاثنين، سوى: «اليأس الذي يطرد الشباب من المغرب»، فكيف لا ينتاب هذا اليأس صحافيا تعاون على قتله التلفزيون العمومي ونقابة الصحافيين ونوع من المحامين، كما تحالف ضده أصحاب المخطط الأخضر والإعلام الأصفر والمسار الأحمر الملوث بدم جمال خاشقجي؟ قلت ذلك وتذكرت ما كان محمد شكري قد قاله لإميل حبيبي: «إذا كنتم، أنتم الفلسطينيون، تموتون يوميا من أجل استعادة وطنكم، فإننا، نحن المغاربة، نموت يوميا لترك وطننا».

إن وعي توفيق بأن ما يقطع عليه خلوته ليس سوى صوت اليأس، وقراره أن يفضحه بصوت مسموع، هو انتصار في حد ذاته على ذلك اليأس الذي انتاب الأنبياء والحكماء والشعراء والفلاسفة، في اللحظة التي كانوا يجدون أنفسهم فيها بين سوط السلطة وصمت الشعب الذي ينعم في شقاوة الجهل واللامبالاة، لكنهم كانوا ينتقمون من ذلك اليأس بتفجيره في الكتابة، ثم ينبعثون من رماده ليكملوا مسارهم.

وقبل أن يسمع توفيق ذلك الصوت الداخلي الذي يقول له، في ما يشبه التيئيس: لا يمكنك أن تساعد شعبا لا يرغب في مساعدة نفسه، كنت قد توجهت إليه، في مقال سابق، بما قاله الشاعر محمد الماغوط لزميله بدر شاكر السياب: «أيَّ وطنٍ هذا الذي يجرفه الكناسون مع القمامات في آخر الليل؟». فهل كنت يائسا يدعو زميله إلى التجرع من الكأس نفسها، أم إنني كنت أنبه نفسي وتوفيق إلى الشرط السياسي والاجتماعي الذي أصبحنا نعيش فيه، والذي يتميز باختلال الأدوار والوسائط، فيسفر عن شارع يقظ ومحتقن، وسلطة غارقة في طمأنينة السلطوية، وأحزاب شعارها: المهم هو المشاركة؟ إن شرطا كالذي نعيش فيه لا يشجع سوى على اليأس، فحتى الشارع الواعي والغاضب، وهو يتجاوز الوسائط ويحتقرها ويصفها بالدكاكين، لا يقترح بديلا، بل يغضب ثم يترك من أغضبوه ويتجه نحو البحر. لقد اعتبر تحقيق «إلباييس» أن اليأس والإحباط أصبحا يتفوقان على «الحس الوطني الذي يتميز به الشعب المغربي»، بتعبير الجريدة الإسبانية، بفعل انسداد الآفاق.

إن السؤال الذي يجب أن نطرحه آ السي بنكيران، هو: كيف نحول اليأس والاحتقان إلى وقود للأمل، وليس لماذا نيأس؟ لكن، أين هو بروموثيوس الذي ننتظر منه أن يسرق النار من السلطة ويهديها للشعب لينير طريقهم؟ هو من ينقصنا يا السي عبدالإله.