المغرب بين عهدين

علي الإدريسي علي الإدريسي

مغاربة عديدون كانوا يسوغون تخلف عمران المغرب السياسي والاقتصادي والاجتماعي في عهد الحسن الثاني بالصراع الذي ساد بين القصر وموالاته وبين المعارضة بكل أطيافها، انعكاسا لزمن انتشار معارضات موسومة بالانقلابات العسكرية، وبإيديولوجيات “الاختيار الثوري”.

وتساوقا مع تلك الظاهرة تركز اهتمام القصر على ترسيخ النظام الملكي واستمراره باستعمال كل الوسائل. أما المعارضة الراديكالية فكان همها الأول، هو انتصار إيديولوجيتها قبل تمتيع المغاربة بمزايا الاستقلال المنتظرة. ويعلم خبراء التنمية وعلماء الاجتماع أن القلاقل النفسانية، والاضطرابات السياسية والاجتماعية، وغياب المساواة، والتوترات الشعبية، تحول دون تحقيق أي انطلاقة اقتصادية واجتماعية ناجعة، وبناء نظام سياسي متوافق عليه يوفر حقوق المواطنة للجميع.

تفطن الحسن الثاني سنة 1995 إلى أن المغرب قد يتعرض لسكتة قلبية؛ وكان ذلك بفضل ما حمله تقرير خارجي، ولم يحمله تقرير داخلي، قال الملك: “قرأت تقرير البنك الدولي فوجدت فيه أرقاما مفجعة تجعل كل ذي ضمير لا ينام”. وكان ذلك وراء تعديل الدستور، وأمر بقيام حكومة توافقية سنة 1997 برئاسة أقوى أحزاب المعارضة يومذاك. وكثيرا ما كان عبدالرحمن اليوسفي يسوغ قبول رئاسة تلك الحكومة بتجنيب المغرب “السكتة القلبية”.

وحمل محمد السادس، حين توليه العرش صيف 1999، آمالا عريضة لتصحيح مسيرة المغرب، لكي يحقق ما لم يتحقق خلال عقود الاستقلال السابقة؛ فقد تبنى لغة تصالحية وإصلاحية، مبشّرة بعهد جديد للإدارة، وإصلاح القضاء، وإنجاز فورة تعليمية نافعة، خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. وتحقيق انطلاقة اقتصادية إنمائية واسعة من خلال الإعلان عن انطلاق أوراش كبرى هنا وهناك. وظهرت تباشير واعدة بالمصالحة العامة، بدءا بزيارات ملكية لأقاليم كانت عنوانا بارزا للتهميش شبه الكامل في العقود السابقة، وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة لجبر الضرر برئاسة وعضوية من عانى من سنوات الجمر والرصاص، بل أصبح زعماء المعارضة الراديكالية من بين من اعتمد عليهم العهد الجديد في إنجاز ما تم الإعلان عنه والتبشر به. لخص أبرهام السرفاتي العلاقة بين المعارضة الجذرية وبين الملك بقوله: “الحسن الثاني كنا نخاف منه، أما 
محمد السادس فنخاف عليه”. وبعد مرور أكثر من عقد على العهد الجديد راح كثير من المغارية يتساءلون عن مكانة دولتهم وموقعها من الانتظارات الموعودة، والآمال المبشر بها، والتي كانت قد أعادت إليهم كثيرا من الثقة في بناء مستقبل ناجع لكل المغاربة؟

كان أول تعبير شعبي عما آلت إليه آمال السياسات المبشر بها، هو خروج عشرات الآلاف من المغاربة، يوم 20 فبراير 2011، في أكثر من عشرين مدينة، غاضبين من وضعهم الذي لم يتغير. وبادر الملك محمد السادس في خطاب 9 مارس 2011 بإعلان إصلاحات سياسية كثيرة، في مقدمتها تعديل الدستور، الذي تم التصويت عليه بالإيجاب يوم 1 يوليوز من السنة نفسها. وانتظر المغاربة أن تكون دولتهم دولة رائدة في المنطقة.

لكن بعد مضي سبع سنوات على إصلاحات 2011، فإن تقارير دولية لاتزال تسجل تقهقر المغرب في التنمية البشرية، وإصلاحات الإدارة، والتعليم، والقضاء، وحقوق الإنسان. وآخر تقرير أصدره معهد ليغاتوم Legatum Institute البريطاني، احتل فيه المغرب المرتبة الـ103 عالميا من أصل 149 دولة شملها التقرير؛ فقد تراجع بدرجة واحدة بالمقارنة مع تقرير العام الماضي.

وسجل التقرير تراجع المغرب في مؤشر الصحة، بـ15 درجة، واحتل المرتبة 91 دوليا، وفي الأداء الاقتصادي، صنف في المركز 96 دوليا. واحتل المرتبة 84 في مؤشر ريادة الأعمال، والمرتبة 120 في الحكامة، ثم المرتبة 130 في الحريات الفردية.

هذه خلاصة خارجية لسنة 2018 لتراجع مؤشرات تقدم المغرب. أما خلاصة الداخل فتعكسها الاحتجاجات المطالبة بالعيش الكريم، وببناء الجامعات والمستشفيات، وبحقوق المواطنة المنصوص عليها في دستور المملكة، وتترجمها كلمات أغنية شباب المدرجات الرياضية، الذائعة الصيت، وهذه بعض كلماتها: “أوه أوه أوه، لمن نشكي حالي، الشكوى للرب العالي، أوه أوه أوه، هو اللي داري، فبلادي ظلموني، عايشين في غمامة، طالبين 
السلامة، انصرنا يا مولانا”.