الغنيمة

الغنيمة

الحقيقة التقريبية لما يفعله إدريس لشكر بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، هي تلك العبارة الخالية من أي تكلف، كما نطقت بها حسناء أبوزيد عندما قالت إن الرجل ذبح الحزب. لقد قام بذلك فعلا، لكن ينبغي التدقيق أكثر؛ إن لشكر وهو يذبح حزبه لم يفعل ذلك بالطريقة المناسبة، والحشرجة الصادرة عن الحنجرة بينما تُلوى الرقبة يمنة ويسرة، مثل حال تصريحات أبوزيد نفسها، إنما هي النتيجة الصوتية الوحيدة لما يمكن أن تحصل عليه وأنت تذبح حزبا بسكين غير حادة.

المنظر بشع على كل حال، لكن عبقرية لشكر لا تضع أي نهاية للمشهد، سنستمر طوال السنوات المتبقية من عمره السياسي، كما عمر حزبه، في مراقبة عملية الذبح هذه، وأيضا سماع تلك الحشرجة المقيتة.

وكل شيء يهون؛ إن عيني لشكر الثاقبتين مثل أي صائد يحوم فوق الأرجاء، تركزان على حجم الغنائم التي بمقدورها أن تمنح ولايته ثقلا معنويا زائدا. إن الاتحاد الاشتراكي، ولحوالي 15 عاما، تحول إلى منصة لتوزيع الغنيمة على أفراده، وهي الغنيمة نفسها التي كان يعد بأن توزع على الجميع من قبل.

تشبه الغنيمة التي حصل عليها لشكر، تاج كسرى المرصع بالدرر، وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب، وسواريه، ووشاحه المنظوم بالجوهر، والتي غنمها المسلمون وهم يطيحون بالإمبراطورية الساسانية. كان النبي (ص) قد وعد صحابيا يدعى سراقة بن مالك، بعدما أسلم، بالحصول على غنائم كسرى، وكان ذلك مثل معجزة. لكن تحقق ذلك بعد موت النبي. ودعا عمر بن الخطاب، وكان الخليفة آنذاك، سراقة فألبسه قميص كسرى وسراويله وخفيه وقلده سيفه، ووضع على رأسه تاجه وألبسه سواريه، ثم أركبه فرسا يطوف به على الناس كنوع من الاحتفال.

لشكر الذي ورث حزبا ضعيفا، ومنهكا بالانقسامات التي لم تتوقف حتى في بداية عهده، ناهيك عن الإخفاقات الانتخابية، وُعد، في سياق «رؤية سياسية»، بغنيمة كبيرة، ومثلما حدث لسراقة، فإن لشكر لم يتخيل أيضا أن يحصل على رداء كســرى الخاص به، لكنه حصل عليه، وببضعة نواب فحسب. حصل لشكر على مناصب كبيرة في مؤسسات الدولة، لم يكن معقــولا أن يستحــوذ عليها حزبه بأي شكل آخر.

لكن، لا يشبه لشكر سراقة في أي شيء آخر. وبالطبع، من حقه أن يحصل على غنيمته غير المتوقعة. لكن هناك فرقا بين الحصول على غنيمة، وبين طريقة توزيعها.

يمكننا أن نلوم لشكر، على وجه التحديد، لأنه جعل من أنصاف المثقفين، وقصار النظر والموظفين غير الأكفاء، الواجهة الأمامية لحزبه؛ هؤلاء الحرفيون السياسيون الصغار، الذين استُبدلت بهم الواجهة القديمة –حتى وإن كانوا عادة ما يلقون الاستهجان من الناس- هم المدبرون الفعليون لحزب كاد يجعل ميراثه صكا مقدسا. وفي الواقع، عندما يموت الآباء المؤسسون أو يندثرون بفعل عوامل الاستحاثة الداخلية، فإن أفضل ما يمكن فعله بعدها هو تقسيم الإرث.

ومنذ 2002، خضع الحزب لاستنزاف هائل، وضيّع القادة المتعاقبون الرصيد الأخلاقي للاتحاد الاشتراكي على شكل أقساط دُفعت مقابل إطالة أمد الدين الذي يجب دفعه. وإذا كان لشكر يتحمل قدرا من المسؤولية عما حدث، فإن أسلافه هيؤوا أرضا خصبة لذلك. سيكون من المجحف أن ننتقد كثيرا، إذن، تعيين سيدة مثل بديعة الراضي في منصب كبير عضوا في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. إن الصراف الآلي الذي تحول إليه الحزب، سيستمر في منح مثل هؤلاء مكاسب إضافية، حتى وإن كان ذلك بشكل كاريكاتوري، مثل أن يعين مدير نشر صحيفة غير حاصل على بطاقة مهنة، أسوأ صحافي عنده رئيس تحرير. وبشكل معين، فإن هذا ما حدث بشكل حرفــي في هذه القضية.

لقد كتبت مرارا عن الاتحاد الاشتراكي، وربما كما لاحظ البعض، كان فعل ذلك أقرب إلى إضاعة الورق والمداد، لكن لا مجال للتسامح مع الخيانة السياسية. إن الاتحاديين إزاء معضلة؛ فإما أن يغادروا تاركين السفينة تغرق، وهذا ما يفعله النزهاء دون تردد، وإما أن يقبلوا بما أصبح عليه حزبهم، ويسعوا إلى حصة من الغنيمة. لا حلول وسطى هناك. التآكل الجاري لا يمنح أي نفس جدي لجهود المقاومة. ثم ماذا ستنقذ في نهاية المطاف؟ ما يشبه حزبا إداريا! وماذا يحدث للأحزاب الإدارية؟ إنها تنتصب عارية في نهاية المطاف.

بين لشكر وسراقة قاسم مشترك؛ النهاية نفسها. سراقة الذي تبختر بأزياء كسرى وسواريه سرعان ما ستنتزع منه، ثم يترك كما كان من قبل، أعرابيا فقيرا. ولشكر دون شك، وبغض النظر عن الطريقة التي سيُستخدم بها مفهــوم «حماية الأقليـــات» من لدن الأخ الأكبر السياســـي الحالي، سيجــد نفسه عاريا، في نهايــة المطــاف، من غنيمته، وهذه حقيقة أخرى.