فساد الحكم وحكم الفساد

يونس مسكين يونس مسكين

نشرنا، في العدد السابق من هذه الجريدة، دراسة جريئة للباحث نبيل زكاوي، هي عبارة عن كشف بالأشعة يبيّن بالواضح حجم ورم الفساد الذي يسكن الجسد المغربي، من خلال اتخاذها قطاع المحروقات في المغرب نموذجا لإثبات كيف يتحوّل القانون إلى حام للفساد. نعم، قد تبدو هذه المقولة مجازية، لكن الواقعة التي انطلق منها الباحث مكّنته بالفعل من جميع العناصر اللازمة لإثبات كيف أن القوانين لم تعد عائقا أمام ممارسات المفسدين «الذين شحذوا القوة والنفوذ لاقتناص النفوذ»، والحديث هنا للباحث الذي ذهب إلى أن هؤلاء المفسدين أصبحوا قادرين على توقيف الأطراف والقوانين المعادية لهم، وإعادة تشكيلها بما يجعلها خادمة لمصالحهم، «لنصل إلى فساد بالقانون وليس فسادا بمخالفة القانون». ويخلص صاحب الدراسة، المنشورة في مركز الجزيرة للدراسات، إلى أن ذلك جرى في سياق «الانتقال من فساد الحكم إلى الحكم بالفساد».
كل هذا تأتى لصاحب البحث من خلال نموذج تقرير اللجنة البرلمانية الذي كشف استحواذ شركات المحروقات على ملايير الدراهم دون وجه حق، فلم يتمخّض هذا الأمر سوى عن ضغوط هي أقرب إلى الاستجداء من الحكومة لشركات المحروقات، لكي تخفض بعض السنتيمات في أسعار الوقود.
خلاصة خطيرة ومدوية تجمع بين القول بوجود قوى «تقتنص» الدولة لشحذ القوة والنفوذ، وبين امتداد هذا الفساد إلى القطاع الخاص. هذا الأمر يستدعي وقفة خاصة في لحظة تتسم بتوالي التعيينات الملكية لمؤسسات الحكامة، والتي شملت إحياء مجلس المنافسة والهيئة الوطنية للوقاية من الرشوة، باعتبارهما من أهم المؤسسات الدستورية المعنية بالتصدي للفساد في القطاعين العام والخاص. وإذا كان الرجلان اللذان وضعا على رأس هاتين المؤسستين ينحدران معا من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؛ فإنهما، في الحقيقة، مطالبان باستثمار المعطيات الخطيرة التي كشفتها تقارير هذا المجلس، على مدى السنوات السبع الماضية، حول مواطن الريع والفساد، دون استعمال أسلوبه القائم على التوافق والتشاور.
فبقدر ما استشعرت جسامة المسؤولية وثقل الانتظارات الملقاة على كاهل المسؤولين الجدد على رأس هيئات الحكامة، حين سمعت أحد الفاعلين الاقتصاديين الكبار يهمس «خلف ظهر» إدريس الكراوي، على هامش لقاء نظم أخيرا، بالقول: «الآن سيتعرف (أي الكراوي) الريع الحقيقي، ومن يقف وراءه، ومن يستفيد منه»، فإنني شعرت ببعض الانقباض وأنا أقرأ ما قاله السيد الكراوي في جلسة تنصيب أعضاء مجلسه الجدد، متحدثا عن سعيه إلى «تقريب وجهات النظر» و«التداول الجماعي» و«قرارات مقبولة من طرف كافة الأطراف»… فالمطلوب من مجلس المنافسة ليس فتح منتديات النقاش وتبادل الآراء، بل ما ينتظره المغاربة منه هو الضرب بقوة على أيدي المفسدين والانتهازيين ومن «يقتنصون الدولة» لمد النفوذ والمصالح غير المشروعة.
لقد راكم المغرب ما يكفي من ملفات الفساد وتغّول مراكز النفوذ واستقوائها بالدولة ضد المجتمع، والمطلوب اليوم لاسترجاع الثقة، كما ردّد جل المسؤولين الجدد، مباشرة بعد خروجهم من الاستقبالات الملكية، هو إثبات أننا أمام مجرد فساد في الحكم موجود في جل دول العالم بمستويات مختلفة، يمكننا تجاوزه عبر وصفات الإصلاح والتفعيل السليم للقانون، ولم نصل بعد إلى هاوية الحكم بالفساد. وقديما قال المؤرخ الإنجليزي الشهير بلقب اللورد أكتون: «السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة».
يكفي أن نذكّر بأن هذه الجريدة وحدها نشرت ما يسمح بجعل جميع المعنيين بمنع انتقالنا من فساد للحكم إلى حكم بالفساد، يسارعون إلى إنقاذ الوضع. يكفي أن نذكّر بفضيحة «عطيني نعطيك» التي تبادل فيها وزير للمالية، اسمه صلاح الدين مزوار، المنح السخية مع الخازن العام، نور الدين بنسودة، وتقرير المفتشية العامة للمالية عن عهد وزير التجهيز السابق كريم غلاب، وفضيحة أراضي «خدام الدولة»، وتقرير المجلس الأعلى للحسابات حول الفساد شبه الشامل للأغذية التي يأكلها المغاربة، وفضيحة الأرض التي حازها نور الدين بنسودة حين كان مسؤولا كبيرا في الدولة، وأسس عليها شركة باسم أبنائه…
ماذا جرى في كل تلك الملفات؟ بنسودة ومزوار يتقلدان زمام مصادر المال والثروة في القطاعين العام والخاص، وخدام الدولة يتداولون على المناصب والوزارات، وكريم غلاب ينتظر أول فرصة لاستئناف المسار نفسه، والمسؤول الأول عن غذاء المغاربة، عزيز أخنوش، هدد وتوعد من «سربوا» تقرير مجلس جطو الذي كشف انعدام المراقبة الغذائية، ومضى في طريقه مبشرا بـ«المزيد»… فيما تساق هذه الجريدة اليوم نحو مقصلة الإعدام مثقلة بغرامات القضاء لفائدة من كشفت بعض فضائحهم، ومؤسسها محروم من حريته في ملف حوله إجماع على سرياليته.
إن الأخطر من عجز القوانين والمؤسسات عن الحد من الفساد، هو أن تصبح خادمة له. لا أحد اليوم يريد الاستسلام لخلاصة كهذه، ذلك أن التسليم بانتقالنا من فساد في الحكم إلى حكم بالفساد «يهدد بأزمات وانسدادات بنيوية عميقة في الدولة»، كما يقول صاحب دراسة «القانون يحمي الفساد بالمغرب». مازال أمام الحكومة والبرلمان فرصة لتدارك الأمر، وتحويل تقرير فساد قطاع المحروقات إلى قوانين ونصوص تنظيمية تنتصر للمجتمع، دون أن تجحف بحق الرأسمال في الوجود وفي الربح. والسيد الكراوي والسيد الراشدي، ونظراؤهما من رؤساء باقي مؤسسات الحكامة والتخليق، مازالت أمامهم الفرصة لاستعادة جزء من الثقة المهدورة، وهذا لا يكون إلا بقرارات قوية وجريئة في مستوى وحجم الفضائح والنكسات، وإلا، فليتحمل هؤلاء جميعا وزر اندحارنا من فساد الحكم إلى حكم الفساد.