هكذا أصبحت 11 يناير عيدا بدل 2 مارس .. أقرّه الحسن الثاني بعدما ضعفت الأحزاب الوطنية

الحسن الثاني الحسن الثاني

تحل اليوم، ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال (11 يناير 1944)، التي جعل منها المغرب عطلة رسمية تتوقف فيها المدارس والمؤسسات عن العمل. لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن الاحتفال بهذه الذكرى لم يبدأ إلا سنة 1986، أي بعد 30 سنة على الاستقلال سنة 1956، فما هي ملابسات هذه الوثيقة التي صار يوم تقديمها للسلطات الاستعمارية عيدا؟ ماذا عن وثائق أخرى لم تعد تُذكر؟ وما الخلفيات التي أحاطت بهذه الذكرى الوطنية؟

وثيقة أم وثائق
في التاريخ الرسمي وفي وسائل الإعلام، يجري الحديث عن وثيقة واحدة باسم “وثيقة 11 يناير للمطالبة بالاستقلال”، لكن الحقيقة أن المغاربة لم يقدموا وثيقة واحدة، بل ولم يكونوا مبادرين في ذلك. علي الإدريسي، أستاذ باحث في التاريخ المعاصر، يكشف لـ”أخبار اليوم” ملابسات ذلك “تقديم وثائق المطالبة بالاستقلال مبادرة بدأها الجزائريون، ففي فبراير 1943 تقدم عباس فرحات، الذي صار بعد ذلك رئيس أول حكومة مؤقتة في الجزائر، بوثيقة إلى فرنسا يطالبها باستقلال الجزائر، وفي سنة 1944 أسس حزب “أحباب البيان” للنضال من أجل استقلال الجزائر”، ويضيف الإدريسي أن “المبادرة الجزائرية أوحت للمغاربة بالخطوة نفسها، فأقدم حزب الإصلاح الوطني، الذي كان ينشط أساسا في منطقة الاستعمار الإسباني، على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في سنة 1943 كذلك، وبعد أشهر سيبادر حزب الاستقلال، الذي كان ينشط أساسا في منطقة الاستعمار الفرنسي، إلى تقديم وثيقة مماثلة يوم 11 يناير 1944، وهي الوثيقة، – يضيف الإدريسي-، التي لم يوقع عليها قادة حزب الحركة القومية، أي حزب الشورى والاستقلال، ما دعاه إلى تقديم وثيقة خاصة به يوم 13 يناير 1944”.

ويشرح الإدريسي “ذهب قادة حزب الشورى والاستقلال، ومنهم عبدالهادي بوطالب، إلى أحمد بلا فريج من أجل التوقيع على وثيقة 11 يناير، لكن قادة حزب الاستقلال رفضوا ذلك. فذهب الشوريون إلى الملك محمد الخامس، الذي طلب منهم تقديم وثيقة ثانية، كانت بتاريخ 13 يناير 1944”.
وقع على وثيقة 11 يناير 1944 قادة حزب الاستقلال أمثال علال الفاسي وأحمد بلافريج والمهدي بنبركة وعبدالرحيم بوعبيد، وشخصيات أخرى مستقلة، لكن لم يوقع عليها قادة حزب الشوري والاستقلال، حيث تخلو الوثيقة من أسمائهم بمن فيهم زعيم الحزب محمد بلحسن الوزاني، الذي كان وقتها في المنفى. وبحسب مذكرات رئيس الحكومة الفرنسية، إدغار فور، الذي فاوض المغاربة حول الاستقلال في “إكس ليبان” سنة 1955، لم يكن الهدف هو نيل الاستقلال فورا، “بل أن ينتزعوا اعترافا من فرنسا برغبتها في منح المغرب الاستقلال”.

ويميز الإدريسي بين ثلاث مقاربات مغاربية في المطالبة بالاستقلال: مقاربة تونسية رفعت شعار: “خذ وطالب”، حيث طالب الحبيب بورقيبة بـالاستقلال الذاتي في أفق الاستقلال الكامل، ومقاربة مغربية طالبت بأن تعترف فرنسا بحق المغرب في الاستقلال، وهو ما تدل عليه الوثيقة التي حملت “المطالبة بالاستقلال” وليس “وثيقة من أجل الاستقلال” وأدت إلى الاستقلال المنقوص للمغرب، ثم مقاربة جزائرية كانت حاسمة منذ اليوم الأول دعت إلى خروج فرنسا واستقلال الجزائر.
يفسر السياق العالمي والإقليمي هذا التحول أيضا في السلوك المغربي من “المطالبة بالإصلاحات” إلى “المطالبة بالاستقلال”. لحسن الخضري، باحث في التاريخ الراهن، أشار إلى حدثين ميزّا السنوات الأولى من الأربعينيات، هما: هزيمة فرنسا في الحرب العالمية أمام ألمانيا، وهي الهزيمة التي هزّت صورتها كدولة حامية أمام حركات التحرر الوطني في المستعمرات، ومنها الحركة الوطنية المغربية. ثم دخول أمريكا الحرب العالمية، من خلال الإنزال الأمريكي سنة 1942 بالدار البيضاء، وهو التحول الذي كانت أحدث مضامينه إنهاء الاحتلال العسكري الأوربي، وخلال مؤتمر آنفا سنة 1943 طرح الملك محمد الخامس مسألة استقلال المغرب فوق طاولة المؤتمر الذي حضره الرئيس الأمريكي روزفلت.
رغم تعدد الوثائق التي تقدم بها السياسيون المغاربة للمطالبة بالاستقلال، فإن الملك الراحل، الحسن الثاني، اختار أن يتم الاحتفاء بوثيقة 11 يناير 1944، أي الوثيقة التي تقدم بها حزب الاستقلال وشخصيات مستقلة، علما أن الاحتفال بذكرى 11 يناير 1944 لم يبدأ إلا سنة 1986، أي بعد 30 سنة على الاستقلال عن فرنسا وإسبانيا. علي الإدريسي، يرجح أن يكون السبب وراء ذلك “وجود علاقة تنظيمية بين الملك محمد الخامس وحزب الاستقلال”، ويضيف “ربما كان الرئيس الفعلي”، ولذلك وقع الاختيار على وثيقة حزب الاستقلال.

لكن المعطي منجب، حقوقي وأستاذ التاريخ المعاصر، له رأي آخر، إذ قال لـ”أخبار اليوم” “يجب أن ندرك أن المغرب هو البلد العربي والإفريقي الوحيد الذي لا يحتفل بيوم الاستقلال، الذي كان في 2 مارس 1956، والسبب في ذلك أن خلافا وقع بين توجهين: توجه ملكي مسيطر على المؤسسات، وتوجه وطني قومي، ولأن التوجه الملكي كان هو المسيطر، فقد اختار أن يكون عيد الاستقلال هو يوم عودة الملك محمد الخامس من المنفى، أي 16 نونبر 1955 وليس تاريخ إعلان استقلال المغرب يوم 2 مارس 1956، وخلال عهد الملك محمد الخامس كان يتم الاحتفال بما سمي “الأيام المجيدة”، أي 16 و17 و18 نونبر، وهكذا تم ربط كل الأعياد الوطنية بالملكية، لماذا؟ لأن الاحتفال بـ2 مارس عيدا للاستقلال كان من شأنه أن يقوي أحزاب الحركة الوطنية التي كانت في صراع حول السلطة مع الملكية، وأيضا لأن الاحتفال بـ2 مارس عيدا للاستقلال سيترك أحداثا سابقة مفتوحة على الزمن والنقاش العمومي، وأقصد حدث توقيع السلطان عبدالحفيظ على عقد الحماية واحتلال المغرب، ثم حدث تولي محمد بن عرفة العرش بعد نفي الملك محمد الخامس، والواقع أن هذه الأحداث يُراد طيّها وتهميشها إلى الأبد من التاريخ الرسمي”.
وأضاف منجب “لقد ظل التساؤل مفتوحا دائما: لماذا لا يحتفل المغاربة بيوم الاستقلال في 2 مارس من كل سنة؟ فقرر الملك الحسن الثاني تقديم حل وسط، وهكذا اختار 11 يناير، ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، ليكون عيدا وطنيا، وذلك بعد 30 سنة على استقلال المغرب، أي بعد تراجع قوة أحزاب الحركة الوطنية، وأيضا بعد حدث المسيرة الخضراء التي جعلت من الملك الحسن زعيما 
وطنيا وليس ملكا فقط”.