تعالوا نهزم البيجيدي

يونس مسكين يونس مسكين

تدور اليوم معركة يخالها البعض ضارية، فيما هي عنوان آخر لإصرار غريب على جرّ كل شيء نحو مستويات هابطة. هكذا أصبح انسداد الأفق السياسي الذي يخيم على البلاد، والجمود الاقتصادي الذي ينجم عنه، والتحديات الكبيرة التي تزحف على المجتمع والدولة، في ظل غياب أجوبة تنموية لتطلعات ملحة وعاجلة، وهول المخاطر المحيطة بنا من الشرق والغرب؛ مجرد هامش لمعركة مركزية هي نزع نائبة برلمانية حجابها من عدمه، كما لو أن باقي المسؤولين في هذه البلاد أثبتوا وفاءهم بوعود الإصلاح والتنمية والديمقراطية والحريات…

لا أتفق كثيرا مع الفكرة التي يسارع كثير من الباحثين والأكاديميين إلى تدبيج مقدمات بحوثهم بها، والتي تفيد بأن المرجعية الدينية هي السبب الأول للنزاع بين الإسلاميين المغاربة والسلطة، باعتبار أن النظام السياسي يقوم على احتكار السلطة الدينية من لدن الملك. صحيح أن السلطة عمدت إلى تحجيم ومراقبة صعود حزب العدالة والتنمية منذ كان «إسلاميا فقط»، لكن ذلك يجد تفسيره في الحرص على التوازن الداخلي بين أطراف العملية السياسية، أكثر مما يعبر عن توجس الدولة من مرجعية الحزب الفكرية. ولو اكتفى الحزب بخطابه الديني ومرجعيته الإسلامية، لبقي، أولا، في حدود كتلته الانتخابية المؤدلجة، التي يعرف المختصون في الجغرافيا السياسية حجمها بشكل شبه دقيق. ثم إنه بمرجعيته الدينية تلك، فإن الحزب لن يتجاوز كونه امتدادا عضويا للدولة فقط، مكلفا بحراسة «المعبد»، تماما مثلما تلعب بعض الأحزاب دور الامتداد العضوي للدولة لحراسة الحقل الاقتصادي، أو تأطير الأعيان، أو احتواء بعض التطلعات الهوياتية داخل المجتمع…

إن ذنب البيجيدي الحقيقي، دون أي سعي إلى تبييض حصيلته التدبيرية التي يبقى للجميع حق تقييمها وانتقادها، هو تجاوزه خط ممارسة السياسة بخلفية دعوية، إلى الاستثمار في بورصة الديمقراطية. المليونان من المغاربة الذين صوتوا لحزب المصباح، بعد ولاية بصمها بالقرارات اللاشعبية، لم يعبروا عن اختيار لحية بنكيران البيضاء، بقدر ما استهوتهم فكرة تحرير الإرادة الشعبية وإدارة اللعبة السياسية عبر صناديق الاقتراع، والاصطفاف على أساس الانتصار للديمقراطية.

يُستهدف حزب المصباح اليوم، كما استُهدفت قبله أحزاب أخرى، لأنه حاول تأسيس شرعية جديدة وليس لخلفيته الدينية. المصباح يجب أن يكسَر كما كُسرت أحزاب قالت يوما إن لها قواعد وأصواتا تخولها المشاركة في الحكم. أتذكر أن أكاديميا مرموقا، يحسبه الكثيرون على دائرة السلطة، أسرّ لي بأنه منح صوته سنة 2011 لحزب المصباح «ليس لاتفاقي معه، بل لأنه الأقدر على حمل ما جاء به الدستور الجديد». ولن أنسى كيف اقترب مني عضو في مجلس النواب الحالي، وهو قيادي في حزب آخر، خلال لقاء جمعني به، وهمس قائلا إنه صوّت في دائرته المحلية لصالح لائحة حزبه، وفي اللائحة الوطنية لحزب العدالة والتنمية، «لأن هناك معركة من أجل الديمقراطية في نهاية المطاف ينبغي حسمها».

لهواة نقاش اللحى والحجاب؛ لماذا تعتقدون أن هذا الأستاذ الجامعي وذاك النائب البرلماني، وعددا كبيرا من ناخبي البورجوازية الصغرى للحواضر، صوتوا للبيجيدي؟ حتما ليس حبا في اللحى والحجاب ووهم الطهرانية، التي يحاول البعض تحطيمها معتقدا أنها سبب صعود هذا الحزب. لقد فعلوا ذلك لمعرفتهم بأن العملية السياسية لم تستقر على بر الديمقراطية بعد، وأن المطلوب منهم ليس مجرد اختيار من ينتقل إلى الموقع التدبيري، بل من يستطيع الدفاع عن أصواتهم. لو تأكد هؤلاء أن تصويتهم يعني فقط اختيار الأشخاص الأفضل والبرامج الأنسب، لما تكتلوا بالضرورة حول من قال: «أعطوني أصواتكم وخليوني مني ليهم». أعطى البيجيدي هذا الأمل في تحصين الاختيار الشعبي وحمايته، لأنه كان يبدو، في لحظة ما، الأكثر حرصا على استقلالية قراره، في وقت تعرضت فيه باقي البيوت الحزبية للتخريب والاستباحة.

الذين يكرهون حزب العدالة والتنمية، ويريدون إسقاطه، يمكنهم تحقيق ذلك بسهولة، إن هم أطلقوا سراح باقي الأحزاب، وكفوا عن الالتفاف على الدستور والقوانين والمؤسسات. حينها فقط سينصرف أمثال الأستاذ الجامعي والنائب البرلماني والبورجوازي الصاعد إلى خيارات حزبية توافق أهواءهم الفكرية وطموحاتهم الاجتماعية، ولن نكون بحاجة إلى افتعال أسباب إضعاف هذا الحزب من الداخل والخارج، وإلحاقه بقائمة معطوبي السياسة، لأن ذلك يعني هدم البيت فوق رؤوس الجميع.

تعالوا نهزم حزب العدالة والتنمية، لأن الطبيعي، في أي نظام سياسي غير شمولي، أن تتأرجح الأحزاب بين الفوز والهزيمة. وفي سياق اقتصادي واجتماعي وثقافي مثل حالة المغرب، لا يمكن أن يهيمن حزب فقط لأنه «إسلامي»، إذا وجد أمامه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بإرثه النضالي المشهود به، وحزب الاستقلال سليل الحركة الوطنية، وما شئت من الأحزاب التي يمكن أن تولد طبيعيا لتعبر عن تطلعات وأفكار جديدة.

من يريد ممارسة السياسة عبر ثقوب الأبواب، يبتغي، عن قصد أو عن غباء، أن يقودنا بالفعل نحو هيمنة حزب نجح حتى الآن، رغم كل ما يسجل عليه من تنازلات في حماية استقلالية ولو نسبية، أو هدم البيت فوق رؤوسنا جميعا. على من يصلون سياسيا إلى القبلة الفرنسية أن يتابعوا كيف اشتعلت النيران بعد تأسيس حزب سياسي جديد على أنقاض الأحزاب «الحقيقية» في فرنسا، رغم أنه قدم نفسه حاملا لتطلعات الفرنسيين. هذا الحزب لم ينفع الرئيس ماكرون الذي يواجه حركة «السترات الصفراء» في شوارع فرنسا منذ أكثر من شهرين، فللسياسة كيمياء كشافة.