ماذا يريد بنكيران؟

Hamoudi Hamoudi

ثمة غموض كبير يواجه المقتنعين بدور الرجل السياسي في تحديد الغرض من خروجه الإعلامي المتكرر أخيرا. ويبدو لي أن مصدر الغموض هو أن بنكيران الجديد (سنة 2019) قرّر العودة إلى بنكيران القديم (ما قبل 2011)، وبالطبع فهو تخلى عن بنكيران رئيس الحكومة (2011-2017) الذي دعا المغاربة يوما إلى التمييز في مركز السلطة بين «الحكومة والتحكم والحكم»، وإلى التمييز بين الفاعلين على أساس «من مع الديمقراطية، ومن مع التحكم»، مثلما حذر الدولة، أمام مؤتمر شبيبة حزبه في فبراير 2018، بقوله: «إن الجمع بين السلطة والتجارة خطر على الدولة». طبعا لا بد من الاحتراز قليلا في هذا التحليل، فنحن أمام رجل سياسة من نوع خاص؛ أقواله شفوية غير مكتوبة، وأفعاله تحتمل قراءات عدة حسب زوايا النظر، فضلا عن أنه صار اليوم دون موقع مؤسساتي محدد، ولا يبدو أنه تخلص من صدمة الإعفاء الملكي في 15 مارس 2017، بعد أزيد من 5 أشهر من «البلوكاج» الذي حال دون تشكيله الحكومة. ورغم كل المحن التي مرّ بها، مازالت جهات تتذكّره، من حين إلى آخر، بضربات محسوبة تستهدف مصداقيته لدى الناس، كتلك التي تعرض لها بسبب حصوله على المعاش الاستثنائي أخيرا.

لكن ثمة تحولا في الأفكار السياسية للرجل، تسعف في القول إن بنكيران الجديد عاد إلى بنكيران القديم، وتخلى عن بنكيران رئيس الحكومة الذي احترق بنار السلطة، فأخرجت منه ما علمه الناس واستحسنوه منه، وربما كان سببا في إعفائه الملكي كذلك، وهو تحول غير متوقع منه، وأرجح أنه مصدر الغموض في قراءة خطاباته. فعند تحليل أقوال بنكيران القديم (حوارات، تصريحات، مواقف…) نعثر على فكرتين محوريتين؛ التقرب من الملكية وأدواتها، ومواجهة اليسار العلماني بمختلف تلاوينه (بمن فيهم يسار «البام»)، لكن هذه القناعات عدّلت لديه عندما أصبح رئيسا للحكومة، لأن جزءا من اليسار العلماني (حزب التقدم والاشتراكية مثلا) صار أقرب حلفائه في مواجهة العفاريت والتماسيح. ونتيجة للاحتكاك الدائم بمراكز النفوذ، طوّر خطابا جديدا ظلت الملكية مركزا محوريا فيه، لكنه أثثه بأفكار جديدة، مثل دعوته إلى مواجهة التحكم (الذي صار يظهر له في أكثر من مركز نفوذ بدل البام وحده)، وهنا جاءت مقولته الشهيرة في يوليوز 2016 حول «الحكومة والتحكم والحكم»، وحديثه عن «وجود دولتين في المغرب؛ واحدة يقودها جلالة الملك، والأخرى لا نعرف من يقودها»، وهي مقولات أتت في نهاية تجربته الحكومية في صيغة «البوح» بمعاناته من ازدواجية السلطة، لكنها تلخص الهدف لديه، فهو يريد حكومة شريكة في الحكم، دون الحاجة إلى التحكم، بعدما أدرك أنه جزء من النسق وليس مسألة عارضة تتعلق بدور هذا الحزب أو ذاك. وحتى بعدما أعفي بقرار ملكي، بعد الفشل في تشكيل الحكومة، ظل بنكيران متشبثا بالقناعات نفسها، بل أضاف إليها، ويمكن قراءة ذلك بوضوح في خطابين؛ خطابه أمام مؤتمر شبيبة الحزب في فبراير 2018، وخطابه أمام ملتقى الهيئة نفسها في غشت 2018؛ ففي الخطاب الأول، واجه عزيز أخنوش، رئيس حزب الأحرار، ومن خلاله قصف خصومه في أقوى نقطة حساسة لديهم، حين حذر قائلا: «إن الجمع بين السلطة والتجارة خطر على الدولة».

أما في الخطاب الثاني، الذي ألقاه أياما بعد الخطاب الملكي في يوليوز 2018 الذي هدد «بزلزال سياسي» في سياق احتجاجي ضاغط بدأ مع حراك الريف، فقد ردّ بنكيران بالقول إن المحاسبة تقتضي الوضوح أولا، قائلا: «إذا اقتضى الأمر مراجعة الدستور فلنفعل، حتى نعرف من المسؤول عن ماذا»، مؤكدا، في الخطابين معا، ضرورة توفر استقلالية القرار الحزبي، واحترام الإرادة الشعبية في تحديد من يحكم وكيف يحكم، والحاجة إلى ملكية إصلاحية، معتبرا أن انتقاد سياسات الملك ليس محرما، إن كان بأدب واحترام.

خلال فترة رئاسته الحكومة، عمل بنكيران باستمرار على تدقيق مشروعه السياسي، وتجديد عرضه بإضافات أقوى، زادت من التفاف الناس حوله، ومنهم نخب سياسية وفكرية من مشارب مختلفة، آمنت معه بإمكانية إنجاز تقدم إضافي في معركة التغيير الديمقراطي، لكنه، فجأة ودون مقدمات، أعلن «توبته» من كل ذلك. ففي 12 يناير 2019، فاجأ الجميع، في خطاب ألقاه أمام أعضاء المجلس الوطني لحزبه، بالقول إنه عائد للدفاع عن الملكية في صيغتها السلطانية حتى (الملك رئيس الدولة له كل الصلاحيات، ويمكنه أن يفوض جزءا منها)، مهاجما دعاة الملكية البرلمانية، علما أن من بين حاملي هذه الفكرة/القناعة قيادات وأعضاء من حزبه، وممن يوصفون بـ«تيار بنكيران».

ماذا يريد بنكيران إذن؟ لا شك أنه يبحث عن طريقة يعود بها إلى الأضواء، ولعب دور جديد، لذلك، وجّه عرضه السياسي إلى الملكية وليس إلى أنصاره في مختلف المواقع، وفي سبيل ذلك قرر -ربما- التخلي عن جلده الذي عُرف به بين الناس، وارتداء جلده القديم الذي عُرف به بين جماعته، وفي هذه المحاولة قد ينجح، واحتمال ذلك ضئيل جدا، وقد يفشل، وهو الراجح، وحينها لن يذكره الناس بخير.