عبـر ملف لغات التدريس.. بنكيران أحيى نقاش المشروع المجتمعي الخافت منذ 2012

مصطفى السحيمي مصطفى السحيمي

قفزت السياسة إلى الواجهة مؤخرا بخصوص موضوع لغات التدريس الوارد ضمن مشروع القانون الإطار الخاص بالتعليم. حزب العدالة والتنمية يقوم بالـ”مقاومة”، والنقاش تعقّد واتخذ طابعا متقاطبا، وذلك في المراحل الأخيرة من المسطرة التشريعية الخاصة بهذا القانون، أي مرحلة اللجنة المختصة في مجلس النواب. تشنّج الوضع أكثر بخرجة عبدالإله بنكيران بانتقاداته الحادة لاعتماد لغات أجنبية في التدريس، وخاصة اللغة الفرنسية. وتشنج الوضع أكثر بهجوم هذا الأخير، على رئيس الحكومة سعد الدين العثماني.

فمبدأ هذا الإصلاح أساسي، لكونه يعطي اللغة مكانة مركزية، وينص على اعتبار إتقان اللغتين العربية والأمازيغية ضروريا لكونهما لغتين رسميتين منصوص عليهما في الفصل 5 من دستور يوليوز 2011. هذه المقتضيات توضح أن من مسؤولية الدولة السهر على انسجام السياسة اللغوية والثقافة الوطنية، وعلى ضمان تعلم اللغات الأجنبية الأكثر استعمالا في العالم. لماذا؟ الجواب يقدمه الفصل نفسه من الدستور، أي لكون اللغات وسيلة للتواصل وتحقيق الاندماج والتفاعل مع مجتمع المعرفة والانفتاح على الثقافات المختلفة والحضارات المعاصرة.

المسار الطويل الذي قطعه الموضوع داخل المجلس الأعلى للتربية والتكوين، وذلك منذ قرابة ثلاث سنوات، أفضى إلى التقدم أمام البرلمان بمشروع القانون الإطار، الذي يفترض أن تتم المصادقة عليه. رئيس الحكومة الذي يتمتع بدعم الأغلبية البرلمانية مطالب فرض الالتزام بالمواقف الرسمية، خاصة في صفوف فريقه الخاص، أي فريق العدالة والتنمية، إلى جانب مبدأ التضامن.

في السوق اللغوي الوطني، الأمور شديدة التعقيد. فهناك منافسة شديدة بين اللغات المستعملة في المجالات التي توصف بـ”السامية”، والتي تغطي عموما الاقتصاد والمالية والتجارة الخارجية… وتلك المستعملة في وظائف “دنيا” وغير مهيكلة. هذا التباين بالضبط، ما تحاول الرؤية التي يقترحها المجلس الأعلى للتعليم (2015-2030) تقليصه من خلال الحد من هذه التراتبية غير المنصفة بين اللغات، والتي تحد من المساواة في الفرص بين المواطنين. هذه الهيكلة اللغوية الجديدة مطالبة بالأخذ بعين الاعتبار التعددية القائمة في المجتمع المغربي من حيث اللغات المستعملة، وإقامة ما يمكن أن نسميه بـ”السلم اللغوي”.

إن ما ينبغي أن نتحدث عنه حاليا، حتى نكون أقرب إلى الواقع، هو الحرب اللغوية، رغم أن عملية تمهيد يفترض أن المجلس الأعلى للتعليم، قد قام بها في هذا الشأن. فبعد تقديمه للرؤية الاستراتيجية 2015-2030، جرى طرح مشروع قانون إطار عام 2016، والذي تمت المصادقة عليه في المجلسين الحكومي والوزاري في 20 غشت الماضي. في 16 أكتوبر الموالي، تمت إحالة هذا المشروع على مجلس النواب من طرف وزير التربية الوطنية الجديد، سعيد أمزازي، وهو النص الذي سيصبح موضوع “بلوكاج” داخل اللجنة المختصة. الحسم في هذا الأمر يعود إلى فريق العدالة والتنمية من خلال حمل نوابه على التصويت لصالح المشروع، لكن الأغلبية المكونة من 6 أحزاب لم تفلح حتى الآن، في التوصل إلى موقف موحد. بعد عدة اجتماعات، بدا أن موعد أول أمس الأربعاء 3 أبريل، سيكون حاسما بهذا الخصوص، قبل أن يفشل الأمر من جديد ويُحال الموضوع على تاريخ غير محدد.

عبدالإله بنكيران وجد في هذا الملف فرصة لتصعيد هجماته. فهو يلوّح بالدستور الذي ينص على أن اللغتين الرسميتين هما العربية والأمازيغية. كما يستعمل بنكيران ورقة الوفاء للاختيارات الفكرية لحزب العدالة والتنمية، والقائمة على حماية اللغة العربية. بل إنه يذهب أبعد، ويعتبر أن هذه القضية سبب مشروع لسقوط الحكومة، وخاطب العثماني قائلا إنك إن غادرت الحكومة سوف تغادرها مرفوع الرأس.

الزعيم السابق لحزب العدالة والتنمية يجدد تموقعه، معتبرا نفسه المرجع الأول لهذا الحزب السياسي. إنه يستعيد المبادرة في مجال يجعل غالبية قواعد الحزب تقف في صفه، لكنه في الوقت نفسه، يحاول إعادة بناء التقاطب على أساس القيم والهوية والمشروع المجتمعي، وهي المسائل التي تراجعت إلى الوراء منذ دخول الحزب مرحلة التدبير الحكومي في 2012. فحصيلة الحزب منذ ذلك الحين تبقى موضوع أخذ ورد، وإثارة مسألة لغات التدريس، ترمي دون شك إلى إعادة تملّك نقاش عميق حول المشروع المجتمعي.