علي آيت جودي: «الشعب الجزائري طوى صفحة النظام»

حراك الجزائر حراك الجزائر

جمعية «الاستجابة الدولية» تستجيب للرهان التاريخي المتمثل في النضال السلمي من أجل الدفاع عن ثقافة حقوق الإنسان على مستوى المجال الثقافي لفضاء حوض الأبيض المتوسط. هذه المنظمة غير الحكومية تندرج في خط الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 19 دجنبر 1948، وميثاق الأمم المتحدة المتضمَّن في معاهدة جنيف لسنة 1948، واتفاقياتها الاختيارية وجميع معاهدات حقوق الإنسان.

في هذا الاستجواب، الذي أجرته معه صحيفة «ليكسبريسيون» الناطقة بالفرنسية، يحلل السيد آيت جودي بوضوح حاد ودقيق الأحداث التي تسم المشهد السياسي الجزائري حاليا.

«ليكسبريسيون»: كيف تنظم الجالية الجزائرية في فرنسا نفسها حتى تنخرط في نفس خط سير الشعب الجزائري، الذي يشترط ذهاب كل النظام؟

الجالية الجزائرية في فرنسا هي في تناغم تام مع ثورة الشعب الجزائري. بل إنها استبقت انتفاضة الشعب في الجزائر، التي انطلقت يوم 22 فبراير 2019، بمبادرة تنظيم أول تجمع في ساحة الجمهورية بباريس يوم 17 فبراير2019؛ وذلك مباشرة بعد مسيرة الخراطة. ومنذ ذلك اليوم، فالعديد من الأحزاب، والحركات، والجمعيات، والمنظمات غير الحكومية؛ لا تتوقف عن التجمع وعن توحيد جهودها في تجمعات شاسعة تنظم كل يوم أحد؛ وذلك  على الرغم من اختلافاتها السياسية والإيديولوجية؛ التي تم التمكن من تجاوزها ضمنيا. هذا الزخم الشعبي الرائع الذي يحركه تآزر مدهش نجح في تجميع 20 إلى 30 ألف شخص كل أحد، بشكل متواصل ومتحضر؛ هو زخم يعزز تمسك الجالية بعدالة قضيتها، ويرفع من وعيها ويحملها المسؤولية التاريخية. ويزداد وعيها بهذا لكونها تبقى دائما ضحية الإهانة التي تتلقاها من نظام غاشم من خلال:

– المعاملة السيئة التي تلحقها في القنصليات.

– أثمان السفر في الطائرات الجزائرية الباهظة بإفراط مبالغ فيه، والمثبطة التي تمنع العديد من مواطنينا من الذهاب إلى البلد لزيارة أسرهم.

– عدم وجود إطار مناسب لترحيل جثث الموتى إلى الجزائر.

– شيطنة هذه الجالية من طرف سياسات جميع الحكومات المتوالية.

– تعرضها للسب، والاحتقار، والاعتداءات الكلامية من طرف المسؤولين السياسيين؛ الذين يعتبرون أنها تمثل هيئة من مواطنين أقل، أو مواطنين من درجة ثانية؛ حتى لا نقول على منوال المصطلح الاستعماري مواطنين من فئة دونية…

لكل هذه الأسباب، ولأسباب عديدة أخرى؛ فإن الجالية الجزائرية في الخارج أدركت مسؤولياتها التاريخية؛ وانخرطت بالكامل في الثورة الحالية.

«ليكسبريسيون»: وماذا عن الاعتقالات المفترضة لرجال الأعمال وعن حجز جوازات سفرهم؟

في إطار استراتيجيته الهادفة إلى تفرقة الرأي العام؛ وحتى إلى إلهائه؛ وهو المجال المفضل للنظام ولمساعيه الهدامة؛ يعلن النظام عن سحب جوازات سفر خمسة جنرالات؛ ثم يعيدها لهم بعد ذلك؛ ثم يركزون الخطاب حول علي حداد وأمثاله.

يشعر المرء وسط هذه النغمة النشاز؛ نظرا إلى فوضى الأحداث التي تتصادم مع عنف الاضطراب؛ برائحة العفن والنتانة وقد بلغت ذروتها في جميع قطاعات الدولة، وعلى جميع المستويات؛ سواء في المؤسسات المدنية أو العسكرية. إن مسخرة العدالة التي يتم التلويح بها اليوم، إنما تؤكد تخبط أصحابها في نوع من تصفية الحسابات بين الفصائل؛ في استباق لعدالة حقيقية في خدمة الحقيقة؛ وهي عدالة لا يمكن أن تتم إلا في إطار سيادة تامة لشعب وقد استرجعها بالكامل؛ وفي هذا الإطار، فقط يمكن القيام بتحقيقات في العمق قادرة على النبش في أعماق ملفات الفساد وإظهارها حتى لا يعود هناك أي مجال للاكتفاء بأكباش فداء ظرفيين، كما كان الأمر في حالة قضية خليفة.أكباش الفداء الظرفيينأكباش

«ليكسبريسيون»: ألا تبدو هذه الإجراءات متناقضة مع تصريحات قايد صالح، الذي يبدو وكأنه يشتكي ويتذمر، أكثر مما يهدد؟

أنا شخصيا؛ فقدت نهائيا الثقة في جميع المسؤولين، سواء أكانوا مدنيين أو عسكريين. ذلك أن تواطؤهم، الذي لم يسبق أن كذّبه أحد منذ عشرين سنة؛ لا يمكن أن يتحول فجأة إلى وطنية قد تنسينا الظلم الذي اقترفوه في حق رجال شرفاء وشجعان ونزهاء؛ ممن تم طردهم من وظائفهم، وقتلهم، وتحقيرهم… وحدها عدالة غير مجندة، حرة، مستقلة، نابعة من الشعب بعدما يستعيد سيادته كاملة؛ يمكنها أن تعيد الحقوق وتعالج الإساءات والفظاعات المقترفة في حق الشعب الجزائري خلال حكم هذا النظام.

«ليكسبريسيون»: هناك حديث يروج حول بعض الأسماء من الماضي لقيادة المرحلة الانتقالية. ألم يتمكن الشعب بعد من التخلص من الأبوية التي أبقته لمدة طويلة في إطار العبودية؟

الذين يتملكهم الحنين إلى الفكرة الوحيدة والحزب الوحيد؛ هؤلاء الذين ذاكرتهم قصيرة؛ من حقهم الاستمرار في هواجسهم وهلوساتهم؛ ولكن فليسمحوا لي، كذلك، بأن أعبر عن استيائي عندما أسمع أصواتا تهمس وتوشوش بضرورة عودة اليمين زروال؛ الذي لم يكن لديه أي مشروع للجزائر عندما كان في المسؤولية. ولنتذكر بعض الأمور علها تعيد لنا بعض ما نسينا من الذاكرة:

حزب التجمع الوطني الديمقراطي تم إنشاؤه خلال ولايته؛ فقد كان هو من أوحى به وبادر بإنشائه.

ألم تحدث فضيحة القرن (1997) في النصب في عهده؟ 

أليس في عهده أضاع أطفالنا سنة بيضاء من الدراسة (94-95) بسبب رفضه الاعتراف، ولو بوجود، اللغة الأمازيغية التي لم يأبه بإعطائها أقل اهتمام، نظرا إلى طابعها التاريخي؟

أليس هو من قدم الجزائر إلى بوتفليقة على طبق من ذهب؟

وأما فيما يخص الطالب الإبراهيمي، وأحمد بنبيتور، وأمثالهما من زعماء الماضي الذين طُوِيت صفحتهم بصفة نهائية؛ فهؤلاء عليهم حتما أن يتركوا مقاعدهم للجيل الشاب، وعليهم أن يستوعبوا ويتمثلوا هذه الأبيات من مسرحية كورناي: «السيد»، على لسان شخصية «رودريغ»: »أنا لازلت شابا؛ هذا صحيح؛ ولكن بالنسبة إلى الأرواح الحية، فإن القيم لا تنتظر السنين«.

«ليكسبريسيون»: ما هي قراءتك لموقف الشعب تجاه تشكيل الحكومة الجديدة، وتجاه تصريحات قايد صالح؟

إن الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة لا يعتبر حدثا على الإطلاق. فالنظام يستغل جميع الحيل والذرائع حتى يفرض ورقة الطريق الخاصة به، وحتى يتمكن من التحكم في المرحلة الانتقالية؛ أي إعادة إنتاج البوتفليقية بدون بوتفليقة. إنها شتيمة إضافية لذكاء الشعب الجزائري؛ فهل يمكن تصور ولو للحظة واحدة أن مؤسسات نابعة من الغش والفساد يمكنها أن تقود وتدبر المرحلة الانتقالية؟ هل يمكن لواحد مثل «بنصال»، الذي جِيء به بالتزوير والفساد على رأس مؤسسة تشريعية التي هي نفسها ناتجة عن التزوير والفساد منذ سنة 1997؛ والذي شارك في جميع الأعمال القذرة لبوتفليقة وأويحيى؛ أن يقود مصير جزائر الغد؟ هل من الممكن التفكير؛ ولو للحظة واحدة أن المجلس الدستوري الذي صادق على جميع انحرافات بوتفليقة يمكن أن يكون له أي دور في بناء جزائر الغد؟ هل من الممكن التفكير أن بوشارب الذي تم وضعه على رأس البرلمان بانقلاب دستوري يمكن أن يكون له أي دور في مؤسسات جزائر الغد؟

أعتقد أن حكومة الأمناء العامين هذه، قد وُلِدت ميتة. ثم إن الشعب الجزائري قد طوى وإلى الأبد صفحة نظام البوليس السياسي، وحكم عشرين سنة من النظام «البوتفليقي».

 

أجرى الاستجواب: كامل لخضر شاوش