أحوال الإمام مالك.. التعرض للإذاية -الحلقة13

الإمام مالك الإمام مالك

أحوال الإمام مالك.. التعرض للإذاية -الحلقة13

الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء

تعرض مالك للإذاية على قول قاله، ورأي رآه، فرأى أهل الوقت أنه من حقهم أن يقولوا، وعلى الآخرين أن يخرسوا، أو أن يقولوا ما يراد منهم قوله. وإن العالم ليرضى الموت لنفسه على أن يخرس، ولا يقول الرأي الذي يراه. خاصة وهو يعلم أنه مطوق بالميثاق أن يتكلم بالصدق، ومحاصر باللعنة إن اختار الالتواء. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ.

تقف هذه القوارع أمام عيني العالم الملتزم، فيرضى لنفسه خصومة الخلق على أن يتعرض لغضب الخالق. وإن الناس لمنتبهون للعالم، متعلقون به، ويريدون سماع الحق والحكم الشرعي منه، ولا يقبلون منه الروغان عنه.

وكان من الإذاية التي تعرض لها:

* المبالغة في ضربه حتى فقد القدرة على تسوية ردائه، قال مطرف: “وكان حين مدوه في الحبل بين يديه خلعوا كتفيه حتى كان ما يستطيع أن يسوي رداءه” (ترتيب المدارك: 2/ص133).

* تشريح ظهره وفلحه بالتعذيب، قال تلميذه مطرف: “فرأيت آثار السياط في طهره قد شرحته تشريحاً” (ترتيب المدارك: 2/ص133).

* استعانته على يديه من شدة الأذى والألم، أخبر إبراهيم بْنُ حَمَّادٍ، أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى مَالِكٍ إِذَا أُقِيمَ مِنْ مَجْلِسِهِ، حَمَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى أَوْ يَدَهُ الْيُسْرَى بِالأُخْرَى” (الانتقاء: ابن عبد البر: ص44).

وفي الوقت الذي يستفيد منه بعض العلماء من فتات الإكراميات، ومجانية الهواتف والسيارات… فيرون من أنفسهم وقد تسلموها لزوم الصمت، ثم لا يستحيي الواحد منهم الادعاأ انه على مذهب مالك. ويعاني الصحفيون من هؤلاء العلماء، حين لا يستجيبون لهم في بيان الموقف من هذه النازلة أو تلك، ولا يعانون من غيرهم.

ففي كل النوازل والمناسبات يتصلون بالفنانين، والمفكرين، والمثقفين، وحتى التافهين… فيدلون برأيهم المخالف للهوية، ويأخذون باليمين وبالشمال ما لا يأخذه العلماء، فإذا اتصلوا بالعالم، وطلبوا الجواب والرأي منه، أو عرضوا عليه المشاركة في برنامج تلفزي… اعتذر؛ وهرب؛ وتفلت.

وإنما تفلتوا لأن أمام أعينهم تلك المكارم والأعطيات، لا يرون العقل في تفويتها وإن فات حق العلم ومطلوبه.

ثم تسألني بعد ذلك: لماذا لا يتكلم العلماء؟ لأنهم لم يقولوا ما قال مالك: والمال عندي على حاله.

قال حسين بن عروة: “ولما قدم المهدي المدينة بعث إلى مالك بألفي دينار أو بثلاثة آلاف دينار مع الربيع. فلما خرج من عنده، قال: يا جارية، لا تمسي هذا المال، فإني قد تفرست حين نظرت وجه الربيع، ورأيت فيه أمراً منكراً.

ولهذا المال سبب، وهو أنه حج المهدي وقدم المدينة أتاه الربيع بعد ذلك فقال له: أمير المؤمنين يقرؤك السلام، ويجب أن تعادله إلى مدينة السلام. فقال مالك: أقرىء أمير المؤمنين السلام، وقل له: قال رسول لله صلى لله عليه وسلم: والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. والمال عندي على حاله، أخرجيه يا جارية. أخرجيه. فأبى الربيع أن يقبله، فلم يزل به مالك حتى أخذه. فأتى الربيع المهدي فغمه رد المال..” (ترتيب المدارك: 2/ص99ـ100).

ثم تفتش عن المذهب وقوله، وما الذي استقر الرأي فيه عند النوازل والملمات، فتجد إن وجدت عبارات لا معنى لها، وكلام هو إلى الثرثرة والبعثرة أقرب، أو لها معنى يعلمون منه أنه لا يغضب أهل الوقت، ولا يجر غضبهم إن سمعوه. فهل مالك بهذه الصفة التي تحدثنا عنه كتب المترجمين له؟