النويضي: محاكمة حراك الريف ضربت الإنصاف والمصالحة في الصفر -الحوار

عبد العزيز النويضي عبد العزيز النويضي

بعدما أسدل الستار على محاكمات الريف في المرحلتين الابتدائية والاستئنافية، أجرت «أخبار اليوم» هذا الحوار مع المحامي والحقوقي عبد العزيز النويضي، أحد محاميي الدفاع عن المعتقلين، حول تقييمه لتلك المحاكمات. النويضي وجه عدة انتقادات، سواء خلال الاعتقالات أو المحاكمة، وكان خلال الحوار يحرص بين الفينة والأخرى على العودة بملف القضية إلى تدقيق بعض النقاط قبل الجواب.

كنت محاميا ضمن هيئة الدفاع عن معتقلي حراك الريف، كيف تابعت الأحكام في السياق الذي صدرت فيه؟

أولا يجب وضع الأحكام في إطارها العام: إن الأصل المباشر لاحتجاجات الريف يرجع للطريقة المأساوية لمقتل محسن فكري: لقد تجلت في أعماق القلوب كأكبر صورة للتسلط والاحتقار ففجرت رد فعل غداة تراكم الإحباطات ومخلفات الماضي الأليم. ورغم الوضع المثير للغضب، والذي يدعو إلى الثورة عليه لتغييره جذريا، فقد سلك شباب الريف أسلوبا حضاريا سلميا عبروا عنه بسلوكهم وبترديد شعار “سلمية.. سلمية “. لقد رأينا في الفيديوهات كيف كانوا يشكلون سلاسل بشرية أمام عربات رجال الشرطة لصد أي اعتداء أو انزلاق نحو العنف، وعندما حوصروا نقلوا احتجاجهم أحيانا إلى البحر، وكانت محنة للجميع. فرجال القوة العمومية مواطنون من أبناء شعبنا يطبقون التعليمات ويعيشون بدورهم ظروفا قاهرة بعيدا عن عائلاتهم، وإن كان بعضهم يفرط في العنف لمعرفته أنه محمي من رؤسائه.

رغم الاحتجاج السلمي ورفع مطالب مشروعة، لكن السلطات كانت تردد بأن هناك أياد أجنبية في الخلف، وأن هناك انفصاليين يتحركون..

إن أكبر رد على هذه الأطروحة هو وثيقة مطالب الحراك الشعبي بإقليم الحسيمة، وهي أكبر دليل على الوطنية ونفي لأي نزعة انفصالية، فهدف المطالب التي تمت بطريقة تشاركية ومدروسة هو تحسين شروط العيش الكريم.

وأدعو كل مهتم فعلا بالموضوع للاطلاع عليها بالرابط http://rif24.com/?p=11276، والتي لم تسطرها المؤسسات المنتخبة ولا السلطات العمومية، وذلك بسبب التلاعب بالانتخابات وممارسة السلطة بشكل تسلطي في أغلب الحالات. إن وثيقة مطالب الحراك وثيقة تاريخية مصاغة بدقة وإتقان. فهؤلاء الشباب يعدون أفضل نخبة لتدبير الشأن المحلي لو كانت الأمور تسير بشكل ديمقراطي. لقد فشل الفاعل السياسي سواء المنتخب أو الرسمي في تدبير المطالب الاجتماعية وفي تدبير ملف الريف، فلجأ كما يحصل غالبا إلى المقاربة الأمنية أي تسخير مواطنين مأمورين من القوات العمومية لمواجهة مواطنين مثلهم، قبل أن ينتقل القمع إلى مرحلة أعلى باستعمال الشرطة القضائية ثم القضاء لتحييد نخبة شباب الريف، وردع كل من تسول له نفسه تحدي الظلم. إنه سلوك يعبر عن خوف الفاعل السياسي المركزي من انتقال العدوى وعودة 20 فبراير وربما قيام ثورة، حيث لم يعد هناك من خيار لأصحاب القرار إلا الاستجابة لمطالب الإصلاح بعمق أو الإمعان في قمعها.

كيف تم تبرير وتمرير أطروحة المؤامرة؟

التاريخ يعيد نفسه وكأننا لم نمر بهيئة الإنصاف والمصالحة. فطريقة الاعتقالات وممارسة العنف والضغط على المعتقلين واقتحام البيوت بالكسر أحيانا وبالترويع والتعنيف واستعمال الكلام النابي في حق المتهمين وعائلاتهم أزواجا ووالدين وأطفالا صغارا، فهل هذه نتيجة تدريب الشرطة على احترام حقوق الإنسان؟ لقد طبخت المحاضر بالاستنطاق ليلا ونهارا وفي شهر رمضان والمعتقلون صيام ومنهكون، وتناوب المحققون مرارا، وتم استبدال المحاضر أكثر من مرة لمزيد من التدقيق في اتجاه التوريط. وأمام قاضي التحقيق وخلال المحاكمة صرح عدد من المعتقلين بأنه طلب منهم توريط ناصر الزفزافي بتصريحات وشهادات ضده على أنه يرفض الحوار ويدعو للتصعيد وعلى علاقة بالانفصاليين، وساوموهم بحريتهم مقابل هذا التوريط فرفضوا بشهامة.

لقد استمعنا كدفاع على سبيل المثال للتعسف والمساومات في حالات، أتذكر منها ربيع الأبلق والأخوين إبراهيم بوزيان والخطابي وبوهموش والبستاتي وأضهشور وبوحراس وهزاط والزفزافي وغطاس وحاكي وصديق والإدريسي وأهباط وال يخلوفي وبوحدو واليسناري وفاضيل والفاحيلي…

ومن المتهمين من سالت دماؤهم كحالة ناصر الزفزافي وحكوا عن تعرضهم لمعاملات مهينة، كوضع العصي في مؤخرة سروالهم وتهديدهم بالجلوس على القنينات أو بالاغتصاب أو باغتصاب زوجاتهم وبناتهم وأمهاتهم… فمن يستطيع إنكار أن الأطباء عند الشرطة القضائية رتقوا جراح الزفزافي في رأسه وأنهم احتفظوا بملابسه الملطخة بدمائه وكانوا يضعون مراهم أسفل عينه التي أصيب فيها بضربة عنيفة حتى تختفي آثار العنف بسرعة. فهل حققوا في ذلك؟ وهل عاقبوا المعتدين؟ لقد استعملوا تصريح الزفزافي لدى قاضي التحقيق بأنه لم يتعرض للعنف لدى الشرطة القضائية بالدارالبيضاء، والذي نقلته شخصيا بأمانة كما فعل النقيب زيان الذي زاد عليه شيئا من تحسيناته عندما تحدث عن “الجنة”، نعم نقلوا ذلك للادعاء أن الزفزافي لم يتعرض لأي تعذيب أو عنف.

وللتدليل على أنه لم يتعرض للتعذيب صوروه عاريا بعد مدة رغم أن الكدمات كانت بادية على أسفل ظهره، وسربوا الفيديو لأحد المواقع الإلكترونية، فرفعت دعوى قضائية لخرق الفصل 89 من قانون الصحافة والنشر، لكن محكمة الرباط برأت الموقع، ابتدائيا واستئنافيا، رغم أن النيابة العامة استأنفت معنا الحكم الابتدائي الذي هو الآن في مرحلة النقض. لم يكن الهدف من هذه الدعوى معرفة من صور الزفزافي، فقد أخبرني بذلك وقد تم عند الفرقة الوطنية بالدار البيضاء. كان الهدف فقط إدانة النشر وجبر ضرر الزفزافي وعائلته، ولم يكن يضير في شيء إنصاف ناصر الزفزافي في هذه القضية مع أنه موجود في السجن والحكم لصالحه لن يجعله يغادر أسواره…

ماذا عن تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن التعذيب؟

لقد دفع رئيس هذا المجلس (إدريس اليزمي) الثمن كما يبدو، لمجرد أنه، حفاظا على مصداقية المجلس، قام بمهمته في انتداب أطباء شرعيين مستقلين. فتقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي أرسله وزير العدل السيد أوجار للنيابة العامة، تم إنجازه من خيرة أطبائنا المختصين في الطب الشرعي، وهم الدكتور هشام بنيعيش والدكتور عبد الله دامي، يؤكد وجود ممارسات عنف وتعذيب جسدي أو نفسي في حق أغلب المعتقلين العشرين الذين تم فحصهم. وهو يحدد بدقة مكان حصول هذه الممارسات سواء في الحسيمة أو في الدار البيضاء.

وخلال المحاكمة لم تتم الاستجابة لطلب الدفاع ضم تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى وثائق الملف، وذلك رغم أن وزير العدل أرسله للنيابة العامة.

وأذكر هنا بالملاحظات الختامية للجنة المعنية بحقوق الإنسان للمغرب إثر تقديم المغرب للتقرير الدوري السادس في أكتوبر 2016، حيث جاء فيه “ينبغي للدولة أن تقوم بما يلي: (أ) اتخاذ تدابير صارمة لاستئصال التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وللتحقيق بفعالية في هذه الأعمال وملاحقة مرتكبيها ومعاقبتهم؛ (ب) إجراء فحوص طبية فورية في جميع ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة؛ (ج) الحرص على التطبيق الفعال، في الواقع، لحظر الاعترافات القسرية وعدم قبول الأدلة المشوبة بالتعذيب؛ (د) توفير سبل انتصاف فعالة ومنح تعويضات للضحايا؛ (ه) تسريع عملية اعتماد القانون المنشئ للآلية الوطنية لمنع التعذيب. فهل احترمت السلطات هذه التوصيات من أهم جهاز تعاهدي في الأمم المتحدة؟..

كيف تحولت أطروحة الانفصال إلى تهم؟

تم ذلك بتوجيه تهم خطيرة أهمها جناية المشاركة في مؤامرة للمس بالسلامة الداخلية للدولة عن طريق التخريب والتقتيل والنهب في أكثر من منطقة وتهم أخرى، وكذا عدة جنح منها جنحة المس بالسلامة الداخلية للدولة عن طريق تسلم مبالغ مالية لتسيير وتمويل نشاط ودعاية من شأنهما المس بوحدة المملكة المغربية وسيادتها وزعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية ولمؤسسات الشعب المغربي، إضافة إلى جنحة المشاركة في ارتكاب العنف في حق رجال القوة العامة نتجت عنه إراقة دم، وجنحة إهانة هيئة منظمة وإهانة رجال القوة العامة أثناء قيامهم بمهامهم، وجنحة التحريض علنا ضد الوحدة الترابية للمملكة وجنحة المشاركة في العصيان المسلح والتحريض عليه…

 كيف تعامل الدفاع مع هذه التهم ؟

سعينا إلى إبطال كل هذه التهم، فهناك عيب الاختصاص بسبب كيفية الإحالة من محكمة النقض إلى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بخرق محكمة النقض للفصلين 271/272 من قانون المسطرة الجنائية، حيث إن الفصل 271 ينص على أن يبلغ الطلب فورا لجميع الأطراف الذين يهمهم الأمر، ويحدد لهم أجل عشرة أيام لإيداع مذكرة بكتابة الضبط بمحكمة النقض وتبت الغرفة الجنائية بمحكمة النقض في غرفة المشورة، دون حضور الأطراف داخل أجل شهر من تاريخ تقديم الطلب، ويبلغ إليهم على الفور القرار الصادر عنها. والحالة أن أي طلب لم يبلغ للمتهمين أو لدفاعهم قصد إيداع مذكرتهم، ولم تحترم الآجال التي يفترض أن تنتج عن تطبيق هذه الفصول، حيث رحل المتهمون فورا إلى الدار البيضاء.

وقد أثار الدفاع مسألة الانتقائية في تطبيق قرار محكمة النقض: فعدد من المتهمين لم يكن معنيا بالتحقيق الذي أحالته محكمة النقض إلى الدار البيضاء، بينما بقي أشخاص يحاكمون في الحسيمة رغم ارتباط التهم الموجهة إليهم بالوقائع.

قام الدفاع أيضا بالدفع بإبطال محاضر التنصت على المكالمات..

فعلا، لأن هذا التنصت تم خرقا للمادة 108 من قانون المسطرة الجنائية. فقراءة سليمة لهذه المادة تفيد أن التنصت يجب أن يتم أثناء البحث في جريمة يبحث فيها قاضي التحقيق أو في إحدى الجرائم المشار إليها بالفقرة الثالثة من المادة 108، عندما يقدم الملتمس من الوكيل العام للملك. كما أن المادة 109 تتحدث عن الجريمة التي تبرر البحث، لكن الإذن بالتنصت تم منحه دون أن تكون هناك جريمة موضوع بحث تبرر اللجوء إليه، بل إن التنصت كان هو الوسيلة التي تم الاعتماد عليها لاستخراج عناصر جرائم تم إسنادها للخاضعين لهذا التنصت غير المشروع كما تبرز ذلك طلبات الإذن، على سبيل المثال فإن الأمر القضائي الصادر عن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالرباط عدد 101/2016 بتاريخ 1/12/2016، الذي أمر بالتقاط مجموعة من المكالمات تهم 15 رقما، بني على ملتمس الوكيل العام لدى نفس المحكمة بتاريخ 1/12/2016، الذي بدوره بني على طلب ضابط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء عدد 98/ف وش ق. ونفس التاريخ أي 1/12/2016، حيث برر طلبه بأن “الفرقة توصلت بمعلومات تفيد بأن بعض الأشخاص يتآمرون بمناطق مختلفة من التراب الوطني لارتكاب جرائم تمس بأمن الدولة، وحتى يتأتى لمصالح هذه الضابطة رصد تحركات هؤلاء وجمع كافة البيانات، يلتمس الإذن بإخضاع الأرقام الهاتفية الواردة للتنصت طبقا للمادة 108 من قانون المسطرة الجنائية”.

إن الطلب يتحدث عن أشخاص “يتآمرون لارتكاب جرائم”، بمعنى أنهم لا زالوا لم يرتكبوا أي جريمة ولا توجد جريمة يجري فيها البحث ولا يتضمن الطلب أفعالا أو وقائع إجرامية محددة في الزمان والمكان ولها علاقة بإحدى الجرائم 
لتي تمس أمن الدولة!.

كمحامي المعتقلين، كيف قرأت الاتهامات الموجهة للمعتقلين؟

من أول وهلة تبين لي أن هناك أطروحة تم تجهيزها من طرف مهندسي هذه المحاكمة السياسية، مفادها أن هؤلاء الشباب ينشطون ظاهريا في إطار الحديث عن المطالب الاجتماعية والاقتصادية، لكنهم في حقيقة الأمر يشكلون شبكة سرية بزعامة ناصر الزفزافي في خدمة جهات معادية للمملكة، تدعو إلى فصل منطقة الريف عن باقي التراب الوطني.

والدليل على ذلك في نظرهم حمل أعلام الجمهورية الريفية ومحاربة حمل العلم الوطني وتلقي تمويلات مالية من أشخاص يتواجدون ببلجيكا وهولندا وألمانيا وإسبانيا، وكذا تمويلات مزعومة من جبهة البوليساريو تصب في إطار الدعم اللوجستيكي لهذه الشبكة لاستقطاب أكبر عدد من المناوئين للوحدة الترابية.

وقد تم إقحام الصحافي حميد المهداوي عنوة لخدمة هذه الأطروحة عن طريق اتصالات من شخص مجهول لدينا لحد الآن، كان هو المبادر دوما للاتصال بالمهداوي ليصرح بشكل مجاني لا يقبله عقل بأنه يريد الثورة في المغرب وأنه يعتزم إدخال أسلحة… وبأنه مول الحراك بـ 160 ألف يورو.. علما بأن المهداوي كان يرد عليه بأنه ضد العنف وضد كل هذا الكلام، ومع ذلك توبع المهداوي بتهمة عدم التبليغ عن جناية تمس بأمن الدولة.

فعن أي أفعال سيبلغ المهداوي؟ التبليغ يكون عن أفعال تأكد المبلغ من حصولها أو من جدية احتمالها، ولو بلغ عن هذا الكلام التافه والذي لا مصداقية له لتوبع بجريمة أخرى هي التبليغ عن جريمة يعلم بعدم حصولها؛ لأنه يستحيل أن يصدق الإنسان أن من يريد القيام بثورة يتصل بصحفي ليخبره بذلك، كما لا يعقل إدخال أسلحة من سبتة للمغرب بواسطة السيارات أو إدخال دبابات من روسيا للمغرب وكأن البحر الأبيض المتوسط عبارة عن صحراء يمكن قطعها بالدبابات وقد تدور فيها معارك مثل معركة العلمين. لقد كان حديث ذلك الشخص مخدوما بدقة لتعزيز أطروحة الأيادي الأجنبية رغم أنه مليء بالمتناقضات.

ولكنه اعتمد مع ذلك لتضخيم الملف برمته. إنها مهزلة لا مثيل لها. لقد طالبنا باستقدام ذلك الشخص المسمى البوعزاتي، لكن ممثل النيابة العامة أخبرنا أن مذكرة بحث وطنية صدرت ضده، ولكنه لم يدل بها للدفاع ولاحظنا أنه يجب أن تكون مذكرة بحث دولية مثل 
ما حصل مع سعيد شعو.