النويضي: العفو الملكي عن معتقلي الريـف سيكون عدلا وإنصافا – حوار

الملك محمد السادس الملك محمد السادس

بعدما أسدل الستار على محاكمات الريف في المرحلتين الابتدائية والاستئنافية، أجرت «أخبار اليوم» هذا الحوار مع المحامي والحقوقي عبد العزيز النويضي، أحد محاميي الدفاع عن المعتقلين، حول تقييمه لتلك المحاكمات. النويضي وجه عدة انتقادات، سواء خلال الاعتقالات أو المحاكمة، وكان خلال الحوار يحرص بين الفينة والأخرى على العودة بملف القضية إلى تدقيق بعض النقاط قبل الجواب.

كيف جرت التحقيقات في ملف حراك الريف؟

يطول الحديث في هذا الموضوع ولكني سأذكر بسلوك قاضي التحقيق مع المهداوي مثلا: لقد كنا حاضرين ذلك اليوم صيفا ورغم الأجوبة المقنعة للمهداوي الذي انتقل من شاهد إلى متهم، فقد ركز القاضي في تحقيقه على ما يدينه كما فعل مع باقي المتهمين، وكان يبدو مقتنعا مثل الدفاع بكلامه، ولكنه في قرار الإحالة أهمل كلية التصريحات التي تبرئه وتظهر حسن نيته وقام باستنتاجات تبرر الإدانة فقط. وفي قرار الإحالة على المحكمة، وجدنا تحريفات غير مقبولة، منها مثلا ما سجله قاضي التحقيق بهدف توريط ناصر الزفزافي في أحداث إمزورن، التي اشتعلت فيها النيران في حافلة وفي مبنى للقوات العمومية. فقد ورد بالأمر بالإحالة على غرفة الجنايات عدد 206/2017 بتاريخ 23/08/2017 بالصفحة 108 “عن سؤال أجاب أنه شارك في الوقفة الاحتجاجية التي تم تنظيمها بمنطقة إمزورن يوم 26/3/2016 ولم يكن يتواجد هناك ذات اليوم، مؤكدا أنه كان يتواجد بالمنطقة قبل ثلاثة أيام، وشارك في وقفة احتجاجية”، فهذا كلام ملتبس: فهل أجاب الزفزافي كما يدعي قاضي التحقيق أنه شارك في الوقفة يوم 26/03/2016؟ أم أجاب أنه كان يتواجد قبل ثلاثة أيام؟ لقد كان الدفاع حاضرا وسمع الجواب الثاني وكان على قاضي التحقيق أن يكون أكثر دقة وأمانة.

كيف تم إثبات التهم؟ وما هي الأدلة؟

إن أهم وسائل الإثبات كانت محاضر الشرطة القضائية التي تحدثنا عن ظروف كتابتها وقد تم تعزيزيها بوسائل أخرى بشكل انتقائي، كتدوينات وصور على الفايسبوك منسوبة للمتهمين، وفيديوهات بتصريحات المتهمين، تتضمن تعبيرات معادية للنظام أو للحكومة وللسلطات ولبعض مؤسسات الدولة، أو لأحزاب الأغلبية وانتقاد سياسية التهميش والإقصاء، إزاء الريف واستحضار بطولات الريف، ورفع علم الجمهورية الريفية والإشادة بمحمد بن عبد الكريم الخطابي، ورفع العلم الأمازيغي وإصابة بعض رجال القوة العمومية بالحجارة، واحتراق بعض الحافلات وأحد المباني التي كانت تقطنها قوات أمن، وتم استقدام شهود من أفراد القوات العمومية وشهود آخرين ضد المعتقلين. وفي هذه الحادثة جئنا بشهود أكدوا أن المتهمين لم يكونوا بعين المكان، فأحدهم كان في ضيعة فلاحية بعيدة ولم يأت إلا بعد اندلاع الحريق، ولكن المحكمة كان لها رأي آخر.

ولم تأخذ المحكمة بكل ما أدلينا به من حجج أو شهود أو أدلة مادية. وتحضرني هنا وضعية المتهم عثمان بوزيان الذي أقحم مثل المهداوي لتبرير أطروحة التمويل الخارجي، إذ يتجلى من محاضر قاضي التحقيق تصريح عثمان بوزيان أنه كان يقرض ناصر مبالغ مالية على مراحل (كثير من الأشخاص صرحوا بالوضع الاجتماعي الحرج لناصر إلى درجة أنه كان يتناول القهوة بالسلف وكان لعثمان بوزيان دفتر يدون فيه مختلف الديون وقد وصلت ديون ناصر إلى حوالي 5600 درهم، وهو ما يؤكده استظهار عثمان بوزيان أمام المحكمة بدفتر مؤرخ بالديون بما فيه دين ناصر)، وصرح أنه أمام إلحاحه على رد المبلغ بسبب قرب مراسيم زواجه في غشت 2017، طلب منه ناصر الاتصال بشخص آخر ليعطيه جزءا يقارب نصف المبلغ، وهو ما حصل ولا علاقة له بأي محاولة للتغطية على مصادر التمويل الخارجي المزعوم.

إن أغلب التهم لها علاقة بتصريحات وصور على الفايسبوك وفيديوهات استعملت بشكل انتقائي مع رفض فيديوهات أخرى، بل حتى بعض التي قدمت لإدانتهم كانت تبرئهم بوضوح، كذلك الفيديو الذي يبين شخصا يصعد المنصة ويعانق الزفزافي مع أنه قدم من طرف النيابة العامة على أنه ضمن المعنفين بسبب رفعه العلم المغربي.

كان أقصى ما يمكن معاقبتهم به هو جنح من قانون الصحافة والنشر، التي لا يجب أن تتجاوز العقوبة فيها غرامة وحتى لو استعمل القانون الجنائي، فإن العقوبة لا يمكن أن تتجاوز بضعة شهور موقوفة التنفيذ، بالنظر للملابسات التي صدرت فيها بعض التصريحات احتجاجا على الظلم.

وحتى بالنسبة للعنف الذي قيل إنه مورس على أعوان القوات العمومية، فلا دليل يؤكد أنه من اقتراف الذين اتهموا به. ونفس الأمر يصدق على قضية الحريق الذي تعرضت له حافلة ومبنى للقوات العمومية، فشهود النفي لم يلتفت إليهم بينما جيء بشهود ضدهم أخذت المحكمة بشهاداتهم رغم اضطرابهم وتذبذبهم عندما ووجهوا بأسئلة المحامين. إضافة لكل ما سبق، لم يتم تمكين الدفاع من مجموع وثائق الاتهام رغم تكرار المطالبة بها، خاصة الفيديوهات والتسجيلات الإلكترونية، خاصة أن عددا من دفوعاتنا تتوقف عند حصولنا على هذه الوثائق أو استعمال التي بحوزتنا والتي لم تعرضها المحكمة.

هل صحيح أن النيابة العامة اعتبرت أن عبارة «سلمية.. سلمية» تعني العكس، أي إشارة إلى استعمال العنف؟

فعلا، وهذا التأويل ينم عن عقلية لا ترى في أي حركة أو كلمة إلا تآمرا وخداعا. ذلك أنه لم نر في عدد من التظاهرات والفيديوهات التي عايناها في قاعة المحكمة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي أن تعبير سلمية قد أعقبه انفجار أحداث عنف، بل رأينا في عدد من الفيديوهات شبابا من الحراك في سلسلة بشرية يحمون سيارات الأمن التي كانت مصطفة أمامهم بألوانها الزرقاء والحمراء.

لقد كانت هناك مسيرات سلمية عرفت بأسماء “مسيرة الشموع “، و”مسيرة الأكفان” و”مسيرة الطنطنة” و”مسيرة لسنا انفصاليين” الضخمة في 18 ماي 2017، ردا على تصريحات الأغلبية الحكومية التي اتهمت الحراك بالانفصال قبل أن تتراجع وتعتبر مطالبه مشروعة.

لوحظ أن أغلب المحامين المدافعين عن المتهمين ينتمون إما إلى أحزاب يسارية (النهج، الطليعة، الاشتراكي الموحد) أو إلى جماعة العدل والإحسان، بينما تنصب محامون ينتمون لحزب الاتحاد الاشتراكي للدفاع عن الدولة، ولم نعاين أي محام من حزب العدالة والتنمية، كيف تفسر ذلك؟

أولا، نحن نحترم زملاءنا ومن حقهم أن يتنصبوا عن أي طرف، وكون المحامي ينتمي لحزب معين لا يعني بالضرورة أن الحزب قد نصبه، ولا شأن لنا بذلك، فالمهم هو أداؤهم كمحامين واحترامهم لزملائهم، وهو الأمر الذي حصل من طرف المحامين الذين أشرت إليهم. ثانيا أظن أن عدم تنصب محامين ينتمون للعدالة والتنمية له علاقة بوجود حزبهم في قيادة الحكومة.

لكن لهم محامون حقوقيون ينوبون في قضايا أخرى عن المتهمين، كقضية بوعشرين كما نابوا في قضية اكديم إزيك ضد المتهمين ومحاكمة الريف كانت من أجل مطالب اجتماعية مشروعة؟

ليس لدي جواب عن هذا السؤال. وكما قلت فأنا من واجبي المهني احترام زملائي، سواء تنصبوا أو لم يتنصبوا عن هذا الطرف أو ذاك، والمهم في الأمر كله ألا تكون المحاكمات ذات بواعث سياسية ولم تحترم فيها الضمانات المنصوص عليها في القانون.

هل ترى من حل في الأفق لهذا الملف؟

لقد خرج الشعب المغربي في مسيرات ضخمة بعد اعتقال المتهمين، وبعد صدور الحكم الابتدائي ثم بعد الحكم الاستئنافي، وصدرت تصريحات عديدة من زعماء سياسيين محترمين لفائدة الانفراج، كما صدرت تقارير منظمات وطنية ودولية، وتعدد الوسطاء من كل جانب لقناعتهم أن الملف فارغ أو تم تضخيمه… وفي نظري فالحل موجود اليوم بين يد الملك، لاعتبارات قانونية وسياسية. اعتبارات قانونية لأن الملك يمكنه أن يصدر عفوه في مختلف مراحل القضية، ولا أعتقد أن النقض سيأتي بجديد، كما سيكون من العبث إعادة المحاكمة مرة أخرى. ومن الناحية السياسية فلا شك أن الملك يدرك أن مصلحة البلاد واستقرارها تتطلب مبادرة مثل هذه تعيد الأمل وتدخل الفرح، ليس فقط إلى نفوس العائلات، بل لملايين المواطنين، وتصحح ما طرأ من تجاوزات وتشجع اللحمة الوطنية في عصر ومحيط مضطرب تدق فيه طبول الحرب. وقديما قيل “لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقاب”، وسيكون عفوه عدلا وإنصافا.

كيف كان الوضع في التعامل مع المعتقلين في سجن عكاشة؟

إنه مظهر آخر للتضييق على المتهمين وعلى الدفاع خارج المحكمة، عبر التضييق الشديد على إمكانيات التخابر في السجن معهم. فبالنظر لكثرة المتهمين وعدد المحامين، كان يتعين توفير عدة قاعات للقاء المحامين بالمتهمين. غير أن ما حصل كان مثيرا لسخط المحامين. فقد خصصت قاعة وحيدة صغيرة (ربما 3 أمتار مربعة أي 9 أمتار كمساحة)، وكان بها أغلب الوقت خزانة حديدية في أحد أركانها قبل أن تزال. وكان يتعين على المحامين اللقاء بواحد لا أكثر من المتهمين لإعداد الدفاع عنه. وعلى المحامين انتظار نهاية ذلك اللقاء ليذهب الحراس بالمتهم إلى مكان آخر والرجوع بمتهم آخر بعد مدة من الانتظار. فكم مرة وصلت مع النقيب عبد الرحيم الجامعي حوالي الحادية عشرة صباحا وكان يتعين إما أن ننتظر حافلة صغيرة تقلنا من ساحة السجن إلى مكان قاعة المحامين، وعندما كانت تتعطل كنا نذهب سيرا على الأقدام مسافة طويلة تحت الشمس لذلك المكان. وعندما نصله كنا ننتظر الحارس ليفتح لنا المكان الذي توجد فيه القاعة ويغلقه خلفنا، وبعد ذلك نطلب من حارس رئيسي هناك (أشهد بحسن أخلاقه ولكنه مأمور مثل الآخرين) أن يتصل للمجيء بالمتهم الذي نريد، وقد يتطلب الأمر ربع ساعة أو يزيد، وبعدها نجلس مع المتهم ساعة أو أكثر أو أقل حسب الأحوال. وخارج القاعة ينتظر محامون وصلوا بعدنا نهاية اللقاء ليستقدموا لهم المتهم الذي جاؤوا من أجله بدلا من تمكينهم من قاعة أخرى، وما أكثرها في ذلك الفضاء. وهكذا فمنذ دخولنا السجن تكون مرت ساعتان قبل أن ننهي اللقاء مع المتهم الأول ويتعين الذهاب به لاستقدام آخر لنا أو للمحامين الآخرين. وما أن تقترب الرابعة حتى يخبرنا الحراس أن الوقت يقارب الانتهاء. وقد حصل أن انتهى بعض المحامين من اللقاء ولكن الحارس الخارجي لم يأت ليفتح لهم الباب فبقوا سجناء هناك أكثر من نصف ساعة رغم وجود كاميرات تسجل الوضع، علما أنه يمنع استعمال الهاتف. وقد حدث مرة أن انتظر المحامون ساعة دون أن يستقدم الحراس المتهمين، فاحتجوا وغادروا السجن دون أن يتمكنوا من لقاء أي منهم…