«السلطة المرابطية».. أو صورة السياسة في عقلية «الرعية»

الكتاب يكشف استمرار النمط السياسي التقليدي في الدولة الراهنة

“السلطة المرابطية: الرمزي والمتخيل”، هو عنوان الكتاب الذي أصدره الباحث المغربي عز الدين جسوس. وهو ينطلق فيه من المكانة الخاصة التي تحتلها السلطة السياسية في عقلية الرعية، وهذا راسخ في وعيهما كليهما، وتحكم العلاقة بينهما حقوق وواجبات متبادلة.

غير أن الأمر لا ينحصر في هذا وحده، بل يتعداه إلى أن تستعمل السلطة السياسية الحاكمة، بما في ذلك ما يترتب على التطور الفكري واللغوي اللذين يصاحبانها، رموزا وصورا تمثل السلطة الحاكمة وتعبر عنها. تراكم هذه الأمور، إضافة إلى أعمال الحكام وقراراتهم وممارسات السلطة السياسية، ينتج منه بناء متخيل معين في ذهنية الرعية التي تساهم في نشره والدعوة إليه عن قصد أو عن غير قصد، بل تعمل، أيضا، على تطويره وتضخيمه.

ويتناول جسوس الدلالات الرمزية للسلطة، مثل الألقاب والجند وذكر الحاكم في خطبة الجمعة ومقصورة الصلاة والنقود. يقول المؤلف إن الرعية لم تتمكن من رؤية حاكمها، وكل ما كان يعرف عندئذ عن السلطة السياسية أنها تحكم البلاد في مجالها من الصحراء والمغرب والأندلس، وأن السلطة السياسية تتمركز في مراكش، وأن أمير المسلمين هو الحاكم الأعلى الذي يدير شؤون البلاد بتنصيب الولاة أو القضاة أو جباة الضرائب، إلى جانب السلطة السياسية الفعلية التي يمتلكها الحكام سلطة رمزية تختص بصاحب السلطة السياسية، من كثرة جند، ونقود متداولة في المعاملات المالية، وذكر الحاكم في خطبة الجمعة، والمقصورة المخصصة له عند الصلاة، واللقب الذي يتميز به، إضافة إلى أدوات أخرى ينفرد بها الحاكم، يسميها ابن خلدون “الشارات”.

كما يعالج جسوس ميثولوجيا السلطة السياسية في المجال الصنهاجي، وميثولوجيا السلطة السياسية في المغرب، وميثولوجيا السلطة السياسية في الأندلس. يقول المؤلف إن الميثولوجيا صاحبت قيام دول ونظم سياسية منذ أقدم العصور، واتخذت شكل تنبؤات أو أحلام أو حكايات يختلط فيها التاريخي بالخرافي، لتدعيم السلطة السياسية وإعطائها الطابع السلطوي الذي تحكم من خلاله. ولم تخرج الدول الإسلامية عن هذه القاعدة، “وإذا نظرنا إلى المجال الجغرافي الذي ظهرت فيه الميثولوجيا والأحلام والتنبؤات التي تتعلق بزمن المرابطين، نجده يتركز أساسا في المغرب والأندلس، مع ندرة في المجال الصنهاجي. وربما تعود هذه الندرة إلى قلة المعلومات عن تاريخ المرابطين في الصحراء وتضاربها قبل خروجهم إلى المغرب”.

ويتطرق المؤلف لمسألة الاعتراف بالخلافة العباسية، من حيث هي بحث عن شرعية حقيقية أم شرعية رمزية؟ كما يتطرق إلى ميثولوجيا نسب أصحاب السلطة. ويلاحظ جسوس أن ابن العربي مدح يوسف بن تاشفين بأنه “حميري النسب”، ويجد مصادر في الأدب التاريخي تؤكد أن المرابطين الصنهاجيين ينحدرون من حمير، فيتساءل عن الغاية من منحهم النسب العربي الحميري، فهل كان ذلك عبارة عن ذكر لنسبهم، أم إن نسب الصنهاجيين إلى حمير أمر متفق عليه، أم إن النظام السياسي حاول الحصول على الشرعية بالانتساب إلى الأصل العربي الحميري اليمني؟ وهل استعمل النظام الحاكم هذا النسب لإضفاء دليل آخر على شرعيته في الحكم، زيادة على أنه يستمد شرعيته من اعترافه بالخلافة العباسية ومن اعتماده المذهب السني المالكي، ومن جهده المتواصل في الدفاع عن مجال سيادة الدولة ضد العدو المسيحي؟

وأخيرا، يبحث جسوس في صورة الحاكم المرابطي في ذهنية الرعية، وما يخاطب به أمير المسلمين. يقول إن أول ملاحظة خارجية على صورة الحاكم المرابطي، هي اللثام الذي له دلالة خاصة في مجال السيادة المرابطية شمال الصحراء في المغرب والأندلس، لأن أهل الصحراء كانوا يعرفون هذا الزي. وبرأيه، إذا كان لهذا المظهر الخارجي رموز سياسية خاصة في علاقة السلطة السياسية بالرعية، فثمة صورة سياسية محضة للحاكم، يكون لها أكبر الأثر في الحياة السياسية. هذه الصورة ترسم في ذهنية الرعية وفي متخيلها، لأن لها ارتباطا وثيقا بالحياة العملية والسياسية. والجانب البارز من هذه الصورة السياسية لدى جميع الحكام المرابطين هو الطابع الجهادي. حتى لو لم يتميز الحاكم من الرعية إلا باللثام، فكان ثمة آداب معينة تحكم مخاطبته، كاستعمال جمل محددة مثل: “أيد الله الأمير”، و”أمير المسلمين وناصر الدين أيده الله”، و”نفسه الكريمة سناها الله”، و”أمير المسلمين أعلى الله أمره”، و”أطال الله بقاء أمير المسلمين وناصر الدين مؤيدا بجنوده مُعانا بتوفيقه وتسديده”، و”خلد الله ملكه”.

تجدر الإشارة إلى أن الكتاب صدر ضمن منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات. ويشار إلى أن مؤلفه هو أستاذ باحث في التاريخ والحضارة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، وهو عضو في عدد من الهيئات العلمية. يحمل شهادة دكتوراه السلك الثالث في التاريخ والحضارة الإسلامية من جامعة السوربون، ودكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي الوسيط من جامعة شعيب الدكالي بالجديدة. شارك في العديد من المؤتمرات المحلية والدولية ونشر بحوثا عدة. صدر له كتابان: “موقف الرعية من السلطة السياسية في المغرب والأندلس على عهد المرابطين: دراسة في علم الاجتماع السياسي”؛ “المجتمع السياسي ونسق تداول السلطة بالمغرب: المرابطون نموذجا”.