مشاهد من القاهرة – فول ودخان.. “المدمس” و”الشيشة” وقود حياة المصريين الصاخبة

Capture d’écran 2019-07-12 à 13.39.28 Capture d’écran 2019-07-12 à 13.39.28

صباح الفول ومساء الشيشة

القاهرة

للمصريين نمط عيش مميز جدا، مختلف كثيرا عنا، يكادون يسيرون على منواله جميعا، في نمطية مصرية سحرها في ديناميكيتها وحركيتها الصاخبة، كيف لا ونحن في القاهرة، واحدة من أكبر المدن العربية والعالمية، والأكثر سكانا وكثافة.

عندما تسأل المصري عن حاله، سيجيبك ” زي الفل يا باشا”،  أي كالورد، لكن إن لم تكن مصريا مثلنا فستخاله يقول لك زي “الفول”، فصباح المصري لا يمكن أن يستهله سوى بطبق فول “مدمس” و “طعمية” والكثير من “العيش”، وإن كانت شهيته نشيطة و”جنيناته ” وفيرة زاد بيضا.

“هي وجبة مصرية صباحية لا يمكن لأي مصري ألا يتناولها كل صباح، هي قنبلة طاقة، ووقوده ليوم كامل، قد يدرك فيه غذاءه وقد لا يدركه، وقد تكفيه لطول يومه المتعب”، هكذا قال لنا “عوكل” صديقنا الجديد في  حي “إنبي” في مدينة نصر بقلب العاصمة القاهرة.

أما مساء، فلأهل هذه البلاد، التي لا تنام، عادات أخرى،  أبرزها النرجيلة، أو “الشيشة”، التي لا تخلو من أي مقهى، سواء كان شعبيا أو عصريا، ولأحفاد “الفارعنة” طقوسهم الخاصة في تناولهم الدخان.

العم إبراهيم

في حينا، يتنصب كشك “العم إبرهيم”، واحد من أشهر محلات الفول والطعمية بالمنطقة، يقصده الزبناء من كل الأحياء المجاورة، راجلين أو سائقين، الجالسين عنده في موائده وكراسيه العتيقة والمتهالكة، أو الراغبين في تناولها بمنازلهم على مائدة العائلة.

يزيد متعة وشوق اكتشافنا فول العم إبراهيم، هذا الطابور الطويل من الزبناء المنتظرين، منهم من صبر، ومنهم من استنفد الجوع والانتظار وسعه، فيصيح بصوت فيه شكوى وتضرع ” يالا يا عم إبراهيم دا حنا بآ لنا ساعة نستنى”، ولو كان انتظاره لم يعمر سوى لبضع دقائق.

“واحد فول بزيت حار يا عم إبراهيم”، هكذا يجب عليك أن تطلب وجبتك، كما علمنا “عوكل”، تعثرت الكلمات في أفواهنا، فشم العم إبراهيم من صوتنا، رائحة غرباء، ولاحظ من همساتنا ونظراتنا المسروقة، زبائن يكتشفون المكان ومصر والفول، فرد علينا بالرد الشهير ” إنتو مغاربة؟؟.. أكدع ناس، نورتو مصر”.

وجدنا أخيرا “الطرابيزا”، أو المائدة، متهالكة صار لونها داكنا ميال للسواد، لم نعرف هل هو لونها الأصلي، أم طليت بصباغة “انعدام النظافة”، فوق المائدة بقايا طعام من سبقونا من الآكلين، طلبنا من أحد المشتغلين في المحل تنظيفها، فرد علينا باالانتظار “لثانية”، طالت الثانية وصارت دقائق، حتى جاءت الوجبة، قبل ن يبادر أحد رفاقنا بتنظيفها بمنديله.

جاءت وليمتنا، أربعة صحون معدنية صغيرة، بحجم تلك التي نضع فيها زيت الزيتون في مائدتنا المغربية، واحد فيه سائل بني، به حبيبات من فول، وهو الطبق الرئيسي، الثاني فيه بيض مسلوق به ملح وكمون، والثالث فيه ربع بندورة وربع خيار والقليل من البصل، والرابع ماء السلاطة، اختلفنا جميعنا في تقييم الوجبة، فمنا من التهمها التهاما، ومنا من ترك الفول، الذي قد تطردك رائحته إن كانت شهيتك حساسة، واكتفى بالسلطة الصغيرة، ومنا أيضا من ” دار بناقص”، منذ أول شدق عيش، واكتفى بالمشهد أمامه.

هي أكلة الفقراء، وما أكثرهم في القاهرة، بخمسة جنيهات فقط، يملؤون بها بطونهم، وتمنحهم طاقة خرافية، يقارعون بها صعوبة العيش، ويتحدون مدينة لا تعترف سوى بالأقوى، تعد بشكل بسيط، لكنها تتطلب الكثير من الوقت، تقريبا 10 ساعات، وتطهى على نار هادئة، مكوناتها بسيطة جدا، فول وزيت، والقليل من التوابل.

شيشة تفاح ولا حجر؟

المقاهي المصرية فريدة جدا، مختلفة تماما عن مقاهينا، هي لقاء للسهر والسمر والمحادثة، فيها الشعبي، والشعبي جدا، والعصري والعصري جدا، ملتقى الاخلاء والأصدقاء والعائلة، يمكنك أن تجلس في مقهى وتأخد لنفسك مشروبا بست جنيهات، ويمكنك في الآن نفسه، وربما في الحي نفسه، أن تكلفك 50 جنيها أو تزيد، جميعها مختلفة، منها من توصد أبوابها في الحادية عشر ليلا، وأغلبها في السادسة صباحا، لكنها تتفق على أمر واحد هي الأرجيلة.. أو “الشيشة” كما يناديها المغاربة والمصريين.

“هات يا باشا واحد شيشة تفاح”، هكذا صاح أحد رفاقنا، الذي باتت له شعبية كبيرة في مقهى “سي سعيد”، بخفة دمه ودخوله في نقاشات كروية يحبها المصريين، ناهيك عن توزيعه على روادها الأوفياء أقمصة المنتخب المغربي.

مقهى “سي سعيد”، من المقاهي المتواضعة هنا في مدينة نصر، لا تقدم سوى الشاي والشاي بلبن والمشروبات الغازية، لكن الكثير من الأرجيلة، تميزها في تلك الساحة المفتوحة على الهواء الطلق، الذي توزع فيه الكراسي و”الطرابيزات” البلاستيكية، وتمنح لعشاق “الشيشة” فضاء رحب لزبنائه.

الكثير من المصريين، يعتقدون بأن “الشيشة” مصرية المنشأ والأصل، ولو أن روايات التاريخ لم تحسم في أصلها، فيما أقواها، تبقى رواية الأصل الهندي، والأصل الفارسي، فحتى كلمة “أرجيلة” فارسية الأصل، وتعني ثمار جوز الهند، التي كانت تصنع بها قديما.

أما فضل انتشارها في العالم العربي، خاصة في مصر وبلاد الشام، فيعود للعثمانيين، الذين مروا من هنا، وعمروا طويلا.

نراقب هذا المشهد، الذي يبدو لنا، نحن الغرباء العرب القادمين من المحيط، غريبا ومدهشا، أسرة صغيرة تتكون من أب وأم وطفلين، وشابة أخرى، تبدو في عقدها الثالث، جميعهم يتناولون الشيشة والشاي المصري، باستثناء الطفلين، فنتذكر أخبار المداهمات عندنا، ومنع الشيشا ومقاهيها، تحدثنا مع رفيقنا المصري عن الأمر، فرد مستغربا، “ذا عادي عندنا”.

فالمقاهي هنا في مصر لا تحتاج إلى ترخيص خاص من “الحكومة” من أجل عرض الأرجيلة لزبنائها، بل إن الأمر عادي تماما، فهي تقدم مع الماء والشاي، وثمنها أزهد من المشروبات، وينطلق من 5 جنيهات إلى 20 جنيها، أي ما بين 3 و10 دراهم مغربية.

عندما تطلب هذه الآلة العجيبة والناخرة لصدور المصريين، فعليك أن تختار بين إثنين من الأنواع، الأولى هي شيشة فواكه أو معسل، والثانية هي “معسل حجر” والأخيرة نتاج مصري خالص، رخيص الثمن، ولكنه فتاك بالصدر والوعي أيضا، بينما تبقى الأولى بنكهة التفاح هي المفضلة عند المصريين، لدرجة أنهم ينشدون: ” إضرب شيشة تفاح.. حتلاقي الحجر غنا”.