اسماعيل حمودي يكتب.. أبعد من التضليل

اسماعيل حمودي اسماعيل حمودي

اسماعيل حمودي يكتب.. أبعد من التضليل

تستدعي جريمة قتل شخصين على يد مفتش شرطة ممتاز بالدار البيضاء الوقوف عندها مطولا، لأن الواقعة تكشف ما هو أبعد من أي تكييف قضائي.

لدينا، إلى حد الآن، معطيات كافية للقيام بتحليل أولي، في انتظار نتائج التحقيق، ففي فجر الأحد الماضي، أطلق مفتش شرطة ممتاز رصاصتين من سلاحه الوظيفي على شخصين، وأرداهما قتيلين.

ولأن الواقعة تتعلق بجهاز الشرطة، فقد سارعت المديرية العامة للأمن الوطني إلى التواصل مع الرأي العام، وهذا يُحسب لها، فأعلنت في بلاغ أول (7 يوليوز) فتح بحث قضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، دون أي إجراء في حق الشرطي، وقد تضمن ذلك البلاغ معطيات أسهمت في توجيه الرأي العام نحو تبني رواية خلاصتها أن الشرطي تدخل، أي أثناء مزاولة عمله، لـ«توقيف 4 أشخاص في حالة سكر، وهم فتاتان وشابان، يشتبه في تورطهم في أنشطة إجرامية، وحيازة أحدهم سلاحا أبيض، وذلك قبل أن يواجَه بمقاومة عنيفة من لدنهم، اضطر على إثرها إلى استعمال سلاحه الوظيفي، وأطلق رصاصتين أصابتا شابا وفتاة من بين المشتبه بهم بشكل قاتل».

لكن، بعد يوم واحد من صدور الرواية الأولى للمديرية العامة حول الواقعة، ظهر شريط فيديو يفنّد تلك الرواية، وبناء عليه اضطرت المديرية إلى إصدار بلاغ ثان يوم الثلاثاء 9 يوليوز، تعلن فيه أن المدير العام للأمن الوطني أصدر قرارا بتوقيف الشرطي المتهم عن العمل، بعلة أن البحث الذي أعقب الواقعة «أظهرت نتائجه الأولية ارتكاب موظف الشرطة تجاوزات مهنية وقانونية خطيرة».

وفي بلاغ ثالث يوم الأربعاء 10 يوليوز، أعلنت المديرية توقيف المتهم الرئيس في تطوان، ووضعه رهن تدبير الحراسة النظرية، إلى جانب 6 آخرين «للاشتباه في مشاركتهم في الجريمة، أو لتورطهم في تضليل العدالة وإهانة الضابطة القضائية من خلال الإدلاء بمعطيات كاذبة».

تكشف هذه المعطيات الصادرة عن المديرية العامة للأمن الوطني كيف جرى تضليل القيادة الأمنية في واقعة قتل عمد، أو هكذا يظهر للمراقب من الخارج، لأن الرواية الأولى للمديرية، والتي تفيد بأن الشرطي المتهم كان في وضعية دفاع شرعي عن النفس، لم تكن رواية المتهم وحده، لعدة حجج؛ الأولى أن الشرطي أطلق الرصاص أثناء مزاولته عمله ليلا (4.30 صباحا)، ما يعني أنه لم يكن وحيدا، بل ضمن دورية أمنية لا يقل عددها عن عنصرين. ثانيا، أن الواقعة تطلبت إجراء بحث قضائي من لدن الشرطة القضائية، ودون شك فإن لهذه الشرطة محضرها الخاص. وثالثا، يفترض وجود تقرير إداري للرئيس المباشر للشرطي المتهم، ثم، رابعا، يُفترض وجود تقرير أمني أو أكثر (استعلامات عامة…)، والسؤال هو: كيف يمكن أن تُجمع كل هذه التقارير (خمسة على الأقل) على رواية الدفاع الشرعي التي تبنّتها المديرية؟

التساؤل الثاني الذي يجب أن نقف عنده على ضوء الواقعة، هو: لماذا أطلق شرطي من درجة مفتش شرطة ممتاز الرصاص على مواطنين اثنين لقتلهما؟ هناك ثلاثة مسارات على الأقل للجواب عن هذا السؤال؛ الأول، قانوني، أي ما يقوله القانون حول شروط استخدام السلاح الوظيفي، والتي لا نملك حولها سوى فصلين يتيمين في القانون الجنائي (124 و125)، وبالتالي، هناك خصاص تشريعي. المسار الثاني قضائي موكل إلى الجهات المختصة، وهي الآن بصدد القيام به، ويجب انتظار النتائج. الثالث، علمي يمكن أن ينطلق من الواقعة، لكن يجب أن يبحث عن جملة الأسباب العميقة التي تدفع الشرطة إلى التعامل العنيف مع المواطنين خلال التدخلات الأمنية، كما ترصد ذلك الهيئات والمنظمات الحقوقية، وأعتقد أنه قد حان الوقت للمديرية العامة للأمن الوطني أن تفتح أبوابها للجامعة والباحثين الاجتماعيين والنفسيين للقيام بأبحاث كهذه، بالنظر إلى أهميتها القصوى للمديرية أولا، وللمجتمع ثانيا، خصوصا أنها تنفي باستمرار أن يكون العنف مُمنهجا وتعبيرا عن سياسة.

التساؤل الثالث يتعلق بموقف المجتمع، لاسيما هيئاته النسوية والحقوقية والمدنية، التي أظهرت، إلى حد الآن، تجاهلا لواقعة إعدام خارج القانون، وهذا يبعث على الاستغراب، لا أقول ذلك لأن القاتل شرطي، أبدا، ولكن لأن الموقف يحتاج إلى تفكير؛ فهل البلاغ الأول للمديرية العامة كان توجيهه أقوى على الرأي العام، إلى حد أن الجميع سلّم برواية الدفاع الشرعي؟ إن كان هذا هو الراجح فهو مؤشر كبير على مصداقية المديرية يجعل مسؤوليتها أكبر، أم إن عدم تفاعل المجتمع بهيئاته المشار إليها سببه أن الواقعة جرت قرب حانة خمر، وبالتالي، فموقف التجاهل يعكس عمق المحافظة السائدة في المجتمع، حتى لو كان الأمر يتعلق بقتل أرواح بشرية.

إن واقعة الدار البيضاء ليست مجرد عملية قتل عمد لشابين بسلاح شرطي، أو عملية تضليل لجهاز أمني، يجب أن يفكك حقيقتها وملابساتها جهاز العدالة.. إنها أبعد من ذلك، لأنها تكشف حالة تواطؤ جماعية في المؤسسات وفي المجتمع كذلك.