لمرابط: مشروع الإصلاح الديني الذي تبناه الملك اصطدم بجدار المحافظين وفشل -حوار

أسماء المرابط أسماء المرابط

وجه عاهل البلاد في خطاباته بوادر وتوجهات مهمة لإرساء استراتيجية مندمجة

أسماء لمرابط – باحثة في قضايا الإسلام

ما هو انطباعك بشكل عام عن 20 سنة الماضية من حكم الملك محمد السادس؟

بشكل عام، الانطباع يبقى إيجابيا رغم كل المشاكل التي تمر بها البلاد، والتي تندرج تحت عالمية الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعرفها كل البلدان، طبعا بدرجات متفاوتة. المغرب، ورغم التراجعات الملموسة منذ فترة، يبقى بلدا عرف بالاستقرار السياسي والاجتماعي نوعا ما، وتحققت هناك العديد من الإنجازات الضخمة التي قد تبدو لنا اليوم طبيعية وعادية، لكنها، قبل 20 سنة، كانت تدخل في خانة «الأحلام». لا يمكننا تجاهل الطابع الإيجابي العام، خاصة في ما يتعلق بالأوراش الكبرى البنيوية، الاقتصادية والمؤسساتية. أذكر منها، على سبيل المثال، خلق هيئة الإنصاف والمصالحة، والذي يمكن اعتباره إرادة للقطيعة مع ماضي الانتهاكات، وهناك أيضا أوراش الإصلاحات في منظومة القضاء، ومبادرة التنمية البشرية، وغيرها من المبادرات التي أعطت المغرب إشعاعا كبيرا داخل البلاد وخارجه، وملأت قلوبنا أملا وثقة بأن المستقبل لن يكون إلا أحسن… لكن -ونقولها حسرة على هذا البلد- وقع نوع من الفجوة بين سقف المتطلعات المقدمة وواقع المجتمع الذي أصبح يعيش، يوما بعد يوم، انتكاسة حقوقية واقتصادية نتيجة سوء تدبير هذه الأوراش الضخمة. هناك خلل ما وقع وسط هذه الديناميكية الإيجابية الأولية التي بدأت مع حكم الملك محمد السادس، والتي تصطدم اليوم، للأسف، بواقع يتخبط في التناقضات وبعض الأزمات…

على مستوى الحقل الديني، ما هي أهم المكتسبات التي تحققت في عهد الجالس على العرش، خاصة في الشق المتعلق بالمؤسسات الدينية، والخطاب والبناء القانوني والإداري؟

هناك أولا أهم مكتسب حقيقي نتج عن رؤية جديدة للمقاربة الدينية التشريعية، وهو إصلاح مدونة الأسرة في 2004، الذي يبقى أهم إصلاح ديني وقانوني عرفه المغرب، بفضل الدور المركزي الذي لعبه الملك، وكذا الجمعيات النسائية التقدمية التي ناضلت فترة طويلة لترسيخ العدل والمساواة بين الزوجين.

هل استطاع مشروع الإصلاح الديني الذي تبناه الملك محمد السادس أن يعالج أعطاب التدين الموجودة في المجتمع، بما فيها التطرف، خاصة أننا مازلنا نسمع عن تفكيك الخلايا بين الفينة والأخرى، ثم تسرب الفكر الجهادي في أوساط الشباب (جريمة شمهروش نموذجا)؟

وجه عاهل البلاد في خطاباته بوادر وتوجهات مهمة لإرساء استراتيجية مندمجة، شمولية وتنويرية، كل هذا من أجل حفظ الهوية الدينية المغربية المتميزة بالانفتاح والاعتدال والتسامح. وكان من أهم محاورها إسناد مهمة الفتوى إلى المجلس الأعلى للعلماء، لتنظيم هذا القطاع وحفظه من الفتاوى المتشددة والمتطاولة على العرف الديني المغربي، وأيضا مشاركة المرأة المغربية العالمة في المجالس العلمية، والمساواة مع شقيقها الرجل، والانفتاح على الشباب وقضايا العصر، وتطوير الخطاب الديني لمكافحة التطرف الديني والإرهاب. وهنالك أمثلة أخرى، كخلق مراكز تكوين الأئمة والمرشدات، وإعادة هيكلة المؤسسات الدينية، كدار الحديث الحسنية والرابطة المحمدية للعلماء، والدفع بضرورة تأسيس منظومة لحماية حقوق الأقليات الدينية، كما جاء في إعلان مراكش التاريخي في 2016. ولا ننسى أيضا إصلاح المنظومة التربوية الدينية عبر مراجعة وإعادة تلقيح الكتب والمناهج الدراسية، لكن -ونقولها بكل أسف- أغلب هذه التوجهات بقيت نظرية أي حبرا على ورق، ولا نرى على أرض الواقع بوادر ذلك الإصلاح أو التنوير الفكري الذي جاء في أغلبية الخطب الملكية. ورغم التوجهات الملكية الطموحة، وكل تلك الأوراش المفتوحة التي كان يمكن أن تشكل ثورة دينية متنورة بجميع المقاييس، لا نرى، في أغلب الأحيان، أي تحول أو تطور، لا في الخطاب الديني الرسمي، ولا في ممارسات المسؤولين عن الحقل الديني. لا نرى، للأسف، إلا جمودا وترسيخا لثقافة «التقليد الأعمى» لأغلب المؤسسات الدينية التي تبقى صامتة لا تواكب التحولات الاجتماعية العميقة، ولا تحاول الإجابة عن تساؤلات الشباب الشرعية، والذي فقد كل الثقة في هذه المؤسسات…

تقصدين أن مشروع الإصلاح الديني الذي تبناه الملك محمد السادس فشل في تحقيق أهدافه؟

يسعنا القول إن مشروع الإصلاح الديني لم يستطع، في غالب الأحيان، أن يعالج أعطاب التدين الموجودة في المجتمع، لأن أغلبية المؤسسات الدينية والمسؤولين عن تأطيرها لم يواكبوا هذا الإصلاح، بل أكثر من هذا لم يستوعبوا معنى وجوهر هذا الإصلاح أصلا، لذلك، تبقى هذه المؤسسات هي نفسها أكبر عائق لتفعيل النموذج الإصلاحي المطلوب. وبالنسبة إلى التصدي للتطرف، تبقى المقاربة الأمنية وحدها تواجه هذا الخطر بنجاح -وهي طبعا غير كافية وحدها- فيما لا يقدم الخطاب الديني المؤسساتي أي بديل صريح لتلك المعضلة. وكيف يمكن تحقيق ذلك في الوقت الذي لم يجرِ حتى الآن أي عمل أو مشروع فكري جدي لنقد وتفكيك الفكر والتراث الإسلامي التقليدي، الذي هو نتاج عصر التدوين (القرن التاسع الميلادي)، والذي لايزال يدرس في جميع الكليات والمناهج التعليمية الدينية وكأنه تراث معرفي مقدس لا يتقبل أي نقد ونحن اليوم في القرن الـ21؟

شن بعض المحافظين هجوما كبيرا عليك أخيرا، بسبب رأيك المتعلق أساسا بموضوع الإرث، هل ترجعين ذلك إلى أن المغرب لم يتجاوز بعد القراءة التقليدية للنصوص الدينية، أم لكون حرية الرأي والتفكير مصادرة في مغرب اليوم؟

السببان معا جائزان، صعب أن تكون لك حرية التعبير في الشأن الديني بالخصوص، وأن تعبر عنها امرأة، فهذا صعب، وهو في حد ذاته يمثل «فتنة» كما يراها بعض المتطرفين… وحساسية موضوع الإرث في مجتمعنا لها بعدان متشابكان؛ بعد يكمن في المقاربة «التقليدية» للنصوص الدينية، في جهل بالكثير من مقاصدها الكونية، وبعد يكمن في السلطة الذكورية والسلطة المالية. لذلك، نرى أن حتى الذين يكونون بعيدين عن التدين، ويدعون أنهم حداثيون، لا يقبلون فكرة العدل في الإرث، لأنها تعني فقدانهم هذه السلطة المادية.