امبارك بودرقة: الملك محمد السادس كان يقول لنا «خص المغاربة يعرفو الحقيقة»

امبارك بودرقة امبارك بودرقة

هناك مجموعة من المبادرات منذ 1990

تعتبر هيئة الإنصاف المصالحة من أهم المكتسبات في عهد الملك محمد السادس. ما هي ظروف تأسيسها؟

قبل تكوين هيئة الإنصاف والمصالحة، كانت هناك مجموعة من المبادرات منذ 1990، عندما جرى تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وعندما جرى إطلاق المختطفين في سنة 1991 بمعتقلات تزمامارت وأكدز وقلعة مكونة، وهي ظاهرة تحدث للمرة الأولى في العالم، ثم سنة 1994 صدر عفو عام عن جميع السياسيين والمنفيين، حيث فتح باب العودة لمن جرى نفيهم خارج البلاد، ثم في 1998، كانت حكومة التناوب للمرة الأولى، بعد حكومة عبد الله إبراهيم، حيث أخذت المعارضة مهمة تسيير الدولة، وكان جزؤها الأول مع الراحل الحسن الثاني، فيما الجزء الثاني في عهد محمد السادس. ومع نهاية الولاية الأولى في 1999، كان أول ما أنجز بعد تولي الحكم، هو تأسيس الهيئة المستقلة للتعويض، والتي كانت تملك صلاحية التعويض المادي والمعنوي رغم التجاوزات التي قامت بها، فقد كان إدريس البصري هو من أشرف على تأسيسها في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وضغط على الضحايا بورقة تلزمهم بألا يتابعوا الدولة، وكانت كل الجمعيات الحقوقية ضد هذا التصرف، ما جعل المجتمع المدني، وعلى الخصوص الجمعيات الحقوقية، تطالب بلجنة الحقيقة سنة 2000، ثم باشرت حكومة اليوسفي برنامجا حقوقيا أساسيا لم يلفت انتباه الناس، وهو عودة المئات من الضحايا المناضلين ممن طردوا لأسباب سياسية أو نقابية من الشغل في الوظيفة العمومية، وجرى إرجاعهم بكيفية مباشرة دون أن يفقدوا مناصبهم، وجرى تعويضهم عن رواتبهم طيلة السنوات التي جرى طردهم فيها وحتى بأثر رجعي. وفي 2002، أسس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في طبعته الحديثة التي توافق مبادئ باريس للأمم المتحدة في ما يخص المؤسسات الوطنية لـ1993، لأن أول مجلس أسس خرج دون مبادئ المؤسسات الوطنية، وعلى هامش ما فعله البصري، عقدت مناظرة في الرباط بمشاركة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومنتدى الضحايا الذي تأسس، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وطالبوا بإنشاء لجنة الحقيقة في المغرب، وبالتالي، كان الاتفاق على كل الأشياء إلا نقطة واحدة هي المساءلة، وبالتالي، قررت الجمعيات الثلاث الاشتغال على المسائل المتفق عليها، وتأجيل نقطة المساءلة. في هذا الإطار، جاء تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة في 200، وهو حدث كبير، لأنها أول لجنة حقيقة على مستوى العالم العربي والإسلامي، وثاني لجنة حقيقة في العالم بعد جنوب إفريقيا. وكان اختصاص هذه اللجنة ليس فقط التعويض المادي، الذي كنا نعتبره رمزيا فقط، لأنه لا يمكن تعويض الضحايا عن كرامتهم أو عرضهم، لكنها كانت ملتزمة بكشف الحقيقة، وجبر باقي الأضرار، وتحديد المسؤوليات، والوثيقة التي أعطيت لكل ضحية لجبر ضرره مكتوب فيها أن «الدولة المغربية هي المسؤولة عما أصابك من أضرار»، وجرى كشف مجموعة من الحقائق حول المختطفين الذين قدر عددهم بـ769 حالة، فيما بقيت ست حالات عالقة منها حالة المهدي بنبركة والحسين المانوزي وعبد الحق الرويسي. ولم نكتف أيضا بجبر الضرر الفردي، بل ذهبنا أيضا إلى بعض المناطق المغربية التي شهدت أحداثا مؤلمة، مثل الريف، فكيك والأطلس، أو الأماكن كانت مراكز سرية مثل تزمامارت، أكدز ومكونة، خاصة مع الحصار الاقتصادي وتغييب التنمية، فأخذت الهيئة على عاتقها جبر ضرر 11 منطقة، أي جبر الضرر الجماعي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان لايزال بصدد تنفيذ هذه التوصيات. ومن بين ما صدر أيضا عن الإنصاف والمصالحة، التوصيات التي كانت تطالب بألا يتكرر سيناريو سنوات الرصاص في المغرب، وهي ذاتها التوصيات التي وصفها الملك محمد السادس، في خطابه لـ9 مارس 2011، بالوجيهة، وجرى استثمارها في الدستور المغربي الجديد.

ألم يتدخل الملك في تفاصيل العملية؟

الحقيقة أننا كنا نلجأ إلى تحكيم الملك عندما تصادفنا بعض العوائق. مثلا، عندما أرادت القيادة العامة الخروج من تزمامارت، كانت هناك ثلاث عمارات، إذ كانت ثكنة عسكرية قبل أن تكون معتقلا سياسيا، وبالتالي، كنا قد طلبنا أن يعطونا البنايات الثلاث لنضعها رهن إشارة القرية التي كانت محاصرة إلى وقت قريب، حتى إن سكانها كانوا ممنوعين من إشعال شمعة أو استقبال الضيوف، فرد علينا الجنرال «الدلاني» بأن ذلك غير ممكن، لأنه في تاريخ الجيوش العالمية تهدم البنيات عند الخروج من الثكنة، لكي لا تترك أثرا يكشفها أمام الخصم أو العدو. وقتها لجأنا إلى التحكيم الملكي، وبشكل استثنائي لبى طلبنا، وأعطى أوامره للقوات المسلحة بترك البنايات، وفعلا إلى حدود اليوم يستفيد منها سكان المنطقة. التدخل الثاني هو عندما حضرنا دفن ضحايا 1981 في الدار البيضاء، حيث إن المقبرة توجد في ثكنة الوقاية المدنية سابقا، فطلبنا من السلطات فتح القبور، لكنهم لم يتشجعوا لأن المقابر الجماعية تشكل خطرا، وبالتالي، عدنا إلى عاهل البلاد، وطلبنا تحكيمه مرة أخرى. أذكر أن الملك كان في اليابان، ورد علينا بكلمته الشهيرة: «كملو خدمتكم خص المغاربة يعرفو الحقيقة».. أقول إن تجربة الإنصاف والمصالحة المغربية هي الأولى على الصعيد العالمي، لأنه لا توجد أي تجربة في العالم، بما فيها جنوب إفريقيا، عوضت الضحايا وأسرهم بالكلفة التي اعتمدتها الإنصاف والمصالحة، حتى إننا فرضنا على الدولة أن يستفيد الضحايا وأسرهم من التغطية الصحية، وتحقق ذلك، إلى جانب الإدماج الاجتماعي والإداري لأبناء ضحايا الاختطاف أو الاعتقال. لقد كانت الإرادة العليا للدولة هي السبب في نجاح هذه التجربة، فنحن لم نكن نملك السلطة.

لكن، ما مصير التوصيات التي خرجت بها الإنصاف والمصالحة، على سبيل المثال لا الحصر، الحكامة الأمنية لم يجرِ إنزالها؟

«حنا غاديين فيها»، بدليل أنه عندما يعتقل أي شخص في المغرب، تكون عائلته في اليوم الموالي على علم بمكانه، ويجري تبليغهم بشكل مباشر، وبالتالي، لم نعد نسمع عن «زوار الفجر» ممن كانوا يختطفون المواطنين دون الكشف عن مصيرهم أو حتى تبليغ أسرهم، ثم إذا لاحظت اليوم إذا اعتقل شخص ما بعد سويعات تجد الخبر على الشبكة العنكبوتية.

ماذا بخصوص اعتذار الدولة المغربية؟

صحيح لم أنه يقدم، واعتبرنا أن استقبال الملك محمد السادس عائلات الضحايا، والكلمة التي ألقاها بخصوص الصلح وطي صفحة الماضي بمثابة اعتذار، لأنه في القوانين المغربية والدولية رئيس الحكومة هو المسؤول. فمثلا، عندما تتعرضين لضرر في الشارع بسبب تجهيزات عمومية، يمكنك مقاضاة رئيس البلدية لكن في شخص رئيس الحكومة، وبالتالي، كنا نحضر لاعتذار رئيس الحكومة في البرلمان، لكن عندما اعتذر الملك في كلمته تخلينا عن اعتذار رئيس الحكومة.

ماذا بخصوص الحركات الاحتجاجية الأخيرة، سواء الريف أو جرادة أو زاكورة، وما أعقبها من انتهاكات لحقوق الإنسان. ألا يستدعي الأمر إحياء الإنصاف والمصالحة من جديد؟

ما يحدث في الريف وجرادة يحدث بشكل دوري، ولا يتوجب إحداث مصالحة في كل مرة تظهر فيها حركة احتجاجية في البلد. في ملف الريف، بالضبط، كان يتوجب على الدولة، منذ الأسبوع الأول لاندلاع الاحتجاجات، أن تجلس إلى طاولة الحوار مع مؤسسات المجتمع المدني المكلفة بالوساطات، بما فيها الأحزاب والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والتي كان عليها هي الأخرى أن تنقل مطالب الريف وجرادة إلى الدولة، وتضغط عليها لتحقق هذه المطالب. للأسف، حدث العكس، وتركوا سكان الريف طيلة 7 أشهر يخرجون للاحتجاج بشكل يومي ولم يكترثوا لهم، والأمر نفسه بالنسبة إلى جرادة، حيث لم يحل ملفهم ولا المشاكل الاقتصادية بالمنطقة التي أخرجت العشرات للاحتجاجات. لقد رصدت ميزانية لتحقيق التنمية بالمنطقة، لكنهم لم يغيروا شيئا.