الونخاري: تأسيس حزب العدل والإحسان حقنا ونرفض شروط المخزن

بوبكر الونخاري بوبكر الونخاري

الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان:

بوبكر الونخاري، الكاتب العام لشبيبة جماعة العدل والإحسان، يقدم في هذا الحوار الملاحظات الرئيسية حول نظام الحكم، وطريقة معارضة جماعته وتقييمها طيلة فترة الـ20 عاما من حكم الملك محمد السادس. ملحوظة: تنشر هذه الصيغة الجديدة من الحوار بعدما تسبب خطأ تقني في عدد أمس، في نشر صيغة قديمة.

في البداية، كيف تقيم 20 سنة من حكم الملك محمد السادس؟

نحن عمليا نتحدث عما يقارب عقدين من الزمن. بالقطع هذه مدة زمنية في عمر الدول كبيرة وتصنع الفارق. حكم محمد السادس بدأ بشعارات وتسويق آمال كبيرة، غذّاها النظام نفسه ووجدت بعض الصدى الشعبي بعدما يئس الناس من إمكانية أي إصلاح في نهايات حكم الملك الراحل الحسن الثاني رحمه لله.

لكن سرعان ما بدأ رصيد و”زخم” بدايات ما سمي “العهد الجديد” يتلاشى، لأن الواقع لا يرتفع كما يقال.

وبعد مرحلة الآمال وبداية تلاشي الشعارات دخل المغرب مرحلة من النكوص على جميع المستويات، خاصة على الصعيد السياسي والحقوقي، وتحديدا مع العودة لإنتاج سياسة تفريخ الأحزاب، وكانت هذه المرحلة برهانات أكبر للمخزن استدعت مغادرة أحد المقربين من الملك، ونقصد فؤاد على الهمة، لمربع الحكم نحو التدخل المباشر كفاعل سياسي صريح.

وهنا لا يمكن أن نتحدث عن خطوة معزولة أو مبادرة شخصية، وإنما عن استراتيجية هيمنة سياسية، مسكونة بهاجس تنامي قوة حزب العدالة والتنمية، لأنه مشارك في اللعبة الانتخابية، في مقابل استمرار ضعف منافسيه.

لكن جاءت رياح الربيع العربي في 2011 وبعثرت كل الأوراق، وغيرت ترتيب الأولويات..

اختار نظام حكم محمد السادس الانحناء الجزئي أمام الضغوط، فأطلق ما وصفها بـ”الإصلاحات” الدستورية، والتي جرى تسويقها على أنها عملية تغيير، فيما نقول نحن إنه دستور ممنوح لم يستوف كل الشروط ليؤهل المغرب لدخول حالة تغييرية جدية.

بعد سنوات قليلة تأكدتْ قراءتنا، وعمد النظام إلى استعادة كل الهوامش التي تنازل عليها ظاهريا في الدستور الجديد، قبل أن ننتهي إلى حالة كارثية وعلى جميع الأصعدة.

خذ أي مجال تريد ولنخضعه لتقييم علمي ودقيق وسنقف على حقيقة أن عشرين سنة من حكم محمد السادس تكاد تكون زمنا مهدورا في عمر الوطن، دون إنكار بعض الإيجابيات التي لن تغير الشيء الكثير في مجمل التقييم.

أعرف أنه يصعب تقديم جواب عن هذا السؤال على نحو مركز في حوار صحافي، لكن المعالم الكبرى لن تخرج عن هذا الإطار.

عشرون سنة من الرسائل المتناقضة، ومن الارتباك، وعدم الرغبة في القطع مع طبيعة النظام الاستبدادية لفتح الباب نحو الدمقرطة، والتي هي مدخل أساس للتنمية.

على كل حال، جماعة العدل والإحسان، ومن خلال الإمام الراحل عبد السلام ياسين رحمه لله، تعاملت مع بداية حكم محمد السادس من خلال رسالة “من يهمه الأمر”، ومن قرأها سيجد أنها كانت جمعت بين القوة والإنصاف، وحاولت ما أمكن، وبكل مسؤولية، أن ترسم معالم طريق خلاص، لكن الجواب كان ما كان، والنتيجة معلومة اليوم.

 

تابعت خطاب الملك في عيد العرش، ما هو تعليقك؟

أهم ما ورد في الخطاب هو الحديث عن المشروع التنموي، وهو بذلك استمرار لخطابات سابقة، تحدثت عن نفس الموضوع، وكانت أقوى مقولاتها الاعتراف بفشل المشروع التنموي السابق.

بصرف النظر عن الإشكالات الدستورية التي يمكن أن تطرح على فكرة تشكيل لجنة خاصة، وسؤال جدوى الكثير من مؤسسات الدولة، وخاصة الاستشارية، ذات الصلة، لا بد أن نؤكد أن الإقرار هكذا بفشل المشروع التنموي السابق، والتوقف عند حدود الإخبار دون أن تترتب على ذلك مسؤوليات، هو تهرّب من مواجهة أسئلة سياسية كثيرة، لعل أهمها مساءلة طبيعة النظام السياسي، الذي نصفه بالمخزن، والمؤسس على مرْكَزة القرار دون الخضوع للمحاسبة، وعلاقة ذلك بفشل النموذج التنموي السابق. وهذا يدفعنا للتأكيد على حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها، وهو تلازم الديمقراطية والتنمية، أو على نحو أدق نشدد على أنه لا تنمية إلا من باب الديمقراطية، وهذا يعني بالضرورة تغييرها سياسيا حقيقيا، وإطلاقا للحريات، وفصلا للسلط، وإخضاع كل السلط، بدون استثناء، للمحاسبة، على قاعدة أن كل من يتحمل مسؤولية هو تحت طائلة المساءلة، حتى لا نأتي بعد عقدين ونسمع خطابا جديدا عن فشل المشروع التنموي مرة أخرى.

إن المغرب لن يتحمل إهدار مزيد من الفرص، وإن إعادة تجريب المجرب تبديدٌ للزمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي والحقوقي، وللأسف كل المؤشرات تقول إن الدولة بصدد إعادة ارتكاب الأخطاء نفسها.

هناك قراءة سياسية تقول إنكم تعيشون عزلة سياسية حادة، لذا يجري تصريفها، كرد فعل، بتأجيج الحركات الاحتجاجية وتسييسها فقط في سياق الضغط على الدولة؟

هذه من القراءات التي تفتقر للموضوعية والتماسك في مقاربة موضوع العدل والإحسان. إن الجماعة حاضرة حيث يجب أن تكون بما هي تعبيرٌ مجتمعيٌ وازن وفاعلٌ ومتفاعل. بهذا المعنى لا يستقيم أي حديث عن العزلة، بل إن هذه القراءة، ومن حيث تريد تقزيم دور الجماعة، تعطي كل المؤشرات على حضورها القوي.

نحن لا ندّعي ولا ننسب لأنفسنا ما ليس لنا، لكننا في المقابل لا نبخّس جهود أعضاء الجماعة الملتزمة بدعم قضايا شعبنا المغربي الذي يستحق الحرية والكرامة.

العزلة السياسية يعيشها الاستبداد الذي يحصد الفشل تلو الفشل، وفي كل خطوة تلاحقه فضيحةٌ، أو نكسة، ولا يجد أمامه إلا الأساليب الاستبدادية في تمرير القرارات، أو القمع لإخضاع الحركات الاحتجاجية، وهذا هو الضعف بعينه والعزلة.

والعزلة، أيضا، يعيشها من يتحالف مع الاستبداد، إذ يزداد كل يوم انصرافا عن مصالح الشعب، وقد حُشِر في زاوية ضيقة لتجيير قرارات الاستبداد وتمريرها وتبريرها.

 

ولكن الكثير من مبادراتكم السياسية لم تلق قبولا، كدعوتكم للميثاق الوطني، وغيرها، أليس هذا عنوان فشل وعزلة؟

فهل نُلام على مبادراتنا وسبْقنا للدعوة للعمل المشترك وسعينا له وطرحنا للمقترحات؟

نحن نقوم بما نراه واجبا دينيا وسياسيا تجاه وطننا. إن مبادراتنا تأسيسية وبأبعاد مستقبلية واستشرافية. نفهم أسباب الاحتياط والتردد اللذين يبديهما عدد من الهيئات والشخصيات، ونعتبر ذلك نتيجة لمصادرة حق الناس في التعبير عن أنفسهم.

كما نعرف أن الكلمة الجريئة في الأنظمة الاستبدادية مُكلفة، ولا نتصوّر أن كل الناس بنفس الاستعدادات للتضحية والصمود، لكن ذلك لا يمنعنا من دعوة الجميع إلى الوقوف عند مسؤولياتهم، لأن أوضاع بلادنا بلغت مستويات خطيرة للتردي.

وإن استمرار هذا التردي سيرفع من كلفة الإصلاح مستقبلا، لهذا نلحّ في مبادراتنا على السعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي سبيل ذلك نمدّ اليد للتكاثف والتعاون والتآزر، حبّا في هذا الوطن، ولأننا موقنون أن الأوضاع في المغرب ستتغير.

 

البلاغ الذي أشرت إليه كان كارثيا بكل المقاييس، ولعل الردود التي لقيها من النشطاء ومختلف الفاعلين، ومن بينهم حكوميون، تغنينا عن كل رد.

لقد كان بلاغا فضيحة، وعنوانا بارزا على فشل ذريع، وتخليا غريبا على النهوض بالمسؤولية.

أن يتم اتهام الجماعة بالوقوف وراء احتجاجات طلبة كلية الطب في كل المؤسسات على امتداد الوطن فيه تبخيس كبير لفئة تعتبر من النخبة في المجتمع.

لست في وراد إحصاء الأخطاء السياسية التي يمكن أن تترتب على مثل ذلك البلاغ، لكن أكتفي بالقول إن أبناء الشعب المغربي أنضج مما يتصوّرون، وأقدر على تدبير أمورهم والدفاع عن أنفسهم، وأعضاء الجماعة جزءٌ من هذه الشبيبة المغربية الطامحة إلى الكرامة في وطنها.

إن الهروب إلى الأمام وتعليق الفشل على شماعة الجماعة غير مفيد. اقترحنا مرارا وتكرارا حلا منطقيا على المخزن: عالجوا مشاكل الناس وتجاوبوا مع مطالبهم المعقولة ولن تجد الجماعة ما تركب عليه. أليس حلا واقعيا يسحب كل المبررات أمام الجماعة مادامت هي من تقف خلف كل هذا الاحتجاجات؟

رجاءً. الأمر يحتاج مسؤولية أكبر. ليحترموا ذكاء الناس، وليفعلوا الصواب، وشيء هو واحد يؤدي إلى الصواب: رفع اليد عن حق الناس في الاختيار، وصون مقدرات الوطن من النهب، والتأسيس لنظام يكفل للمجتمع أن يعبر عن نفسه على صعيد الحكم.

 

لكن سلوككم السياسي يدفع الدولة إلى أن ترد عليكم بقرارات شملت تشميع بيوت وتوقيف أساتذة بكليات الطب أعضاء بالجماعة، وغيرها من القرارات…

هناك خلفية تستبطن السؤال وتريد أن تقول إن قرارات الدولة التعسفية ضد الحقوق السياسية والمدنية لأعضاء الجماعة مبررة أو أنها رد فعل.

دعنا نوضح أولا أن القرارات التي أشرتها إليها كلها اعتراها الشطط والتعسف والكيد السياسي والاعتداء السافر على الحقوق الفردية والجماعية، وهي غير مبررة وغير مقبولة.

هي من طبيعة النظام السياسي المغربي الذي لا يتورع على انتهاك الحقوق، وتصفية الحسابات بلعب الصغار.

فما الذي يبرر توقيف ثلاثة أساتذة بكليات الطب يعتبرون من خيرة الأطر في مجالهم، ولم يثبت في حق أي منهم أي إخلال بمهامهم، كما أن مساهماتهم العلمية والعملية تستحق كل تنويه؟

ما الذي يبرر تشميع البيوت دون أي أسانيد قانونية إلا لغة التعليمات لحرمان أصحابها من الاستفادة مما يملكون وفق القانون؟

ما الذي سيبرر استهداف ما يفوق مائة إطار في الوظيفة العمومية بقرارات إدارية جائرة فقط لأنهم من العدل والإحسان؟

وما الذي يبرر استهداف العشرات من شباب الجماعة بحرمانهم من الوظيفة العمومية فقط لأنهم أعضاء الجماعة؟

بأي منطق يمكن أن نبرر هذا؟ لا يمكن إطلاقا، ومظلوميتنا كجماعة جزء من مظلومية شاملة يعيشها الشعب المغربي، لهذا لسنا في وارد أن نقبل بالسكوت على انتهاك حقوقنا.

 

لكن رد فعلكم يبقى في حدود البيانات على هذه القرارات التي تعدونها انتهاكات في حقكم. لماذا تختارون في كل مرة الانحناء للعاصفة؟

عملنا عملُ كل يومٍ وكل ليلة. عملنا لا يكاد يتوقف بناء وتأسيسا. هذا ردنا الحقيقي، وهذا ما نجيبُ به عمليا، أما تصريف الموقف السياسي، فيخضع للتقدير بحسب المعطيات المتوفرة.

نحن حركةٌ مدنيّةٌ تتدافع سلميا، وتتعامل مع كل حدث بما يليق، وبحسب ما تمليه المصلحة. لم يكن غرضنا يوما ولن يكون افتعال المشاكل أو تأزيم الأوضاع، كما أن السياسة السياسوية ليست مذهبنا. نحن ضحية تعسف وانتهاكات، دافعنا وندافع عن حقنا في الوجود بكل الإمكانات المتاحة، بمسؤولية كبيرة للأسف مفتقدة لدى من يأمرون بالاعتداء على حقوقنا.

ولو كنا ننحني لغير لله لما جرى التضييق على حقوقنا.. ننحني لله وحده جلّ شأنه.

 

هل تعتبر أن حزب العدالة والتنمية خان العهد ولم يلتزم بما تعهد به؟

لست في وارد أن أخوّن أحدا. لكننا بالقطع بإزاء رؤيتين سياسيتين: الأولى ترى أن الإصلاح يمكن أن يتم من داخل النظام المخزني. والثانية تؤمن بالتغيير وتعمل له، ويقاوم المقتنعون بها رغم كل الضغوط من أجل الاستمرار فيها.

وقد بدأت ترتفع الكثير من الأصوات من داخل الرؤية الأولى لإعادة تقييم هذا الاختيار (الإصلاح من الداخل)، أخذا بعين الاعتبار العديد من المستجدات التي كنا سباقين إلى التحذير منها. ولربما الوضعية التي يعيشها حزب العدالة والتنمية جديرة بالتأمل والقراءة.

أما الرؤية الثانية التي نمثلها مع طيف واسع من الشعب المغربي وبعض تعبيراته السياسية، وتتخذ ألوانا كثيرة، لكنها في عمقها تصبّ في خانة مقاطعة مهازل الاستبداد ومن يدور في فلك الاستبداد. وهي معارضة بناءة وجادة، وتؤمن بأن التغيير ممكن في المغرب، وبأن خط المقاومة وفضح الفساد والاستبداد ومقارعته يحقق مكاسب أكثر من التعايش معه والقبول به، بل وحتى تبريره.

قبلنا سابقا أن نترك للزمن وللشعب الحكم على هذين الاختيارين، ولازلنا على ذلك، لكن من جهتنا تترسخ القناعة أكثر أن اجتهادنا هو الأصوب، ونحاول أن نقنع به خيرا لبلدنا.

 

ألا تغريكم تجربة العدالة والتنمية في الدخول للعبة السياسية، خاصة إذا نظرنا إلى الانتصارات الانتخابية التي حققها؟

دعنا نطرح السؤال الحقيقي: هل الانتخابات في المغرب تفرز من يحكم فعلا؟

لا أعتقد أن عاقلا واحد في هذا البلد سيقول إن الانتخابات في المغرب توصل الفائز إلى الحكم. من يقول عكس هذا يعيش حالة إنكار متقدمة للواقع.

طبيعة النظام السياسي في المغرب لا تسمح ولا تقبل بوجود فاعلين في مجال مفتوح يتنافسون من أجل الوصول للحكم لتحقيق المشاريع التي جرى الإقناع بها خلال العملية الانتخابية.. الأمر بعيد للغاية عن هذه الوضعية، حتى إن النظام المخزني لا يقبل بالشركاء في الحكم، فما بالك بأن يقبل مخرجات أي استحقاق انتخابي وما يترتب على اختيارات المواطنين. ملهاةٌ وكفى، وتدليس سياسي ممجوج.

ثم أي لعبة سياسية هذه؟ إن طبيعة الأنظمة الاستبدادية أنها تسعى إلى ضمان تعددية حزبية، وتمنع بالمطلق أي تعددية سياسية، بل إن القوى السياسية التي تعبر عن حساسيات مجتمعية حقيقية يتم محاصرتها وإضعافها وإنهاكها وتفجيرها من الداخل لتأبيد حالة الميوعة السياسية.

نحن نعيش حالة سياسية عجائبية، انظروا في تفاعل مكونات المشهد السياسي لتتأكدوا من حقيقة ما نقول. الأمر مؤسف للغاية، فكيف يصح أن يطلب منها أن نكون جزءا من هذا؟

وإلا فإننا مشاركون سياسيا وبقوة، ودورنا يشهد به الصديق وغير الصديق.

 

أسسوا حزبا لتصيروا مكونا شرعيا وحينها يمكنكم التغيير..

الحزب في المغرب ليس حقا يمكن أن يتمتع به عدد من المواطنين الذين يتقاسمون رؤية معينة يسعون إلى تنزيلها، بل هو بنظر المخزن أُعطية ومنحةٌ يتفضل بها على من يقبل بشروطه، ونحن نرفض شروطه.

سعينا إلى تأسيس حزب وفق المساطر القانونية، لكن طلبنا رفض. أما بخصوص الشرعية فنحن تنظيم حاز مقررات قضائية نهائية بأن جماعة العدل والإحسان تنظيم مشروع، وجرى تبرئة عدد من أعضاء العدل والإحسان توبعوا بتهمة الانتماء إلى تنظيم غير مشروع.

 

ولكن جدّدوا طلب تأسيس حزب، فنحن في عهد جديد؟

تقييمنا السياسي يخلص إلى حقيقة أن النظام المخزني يعيش حالة استمرارية واستغراق في نهجه الاستبدادي، وأن عبارات مثل العهد الجديد إنما جاءت في سياق سياسي معين للاستهلاك فقط.

تأسيس الحزب بمعناه المسطري ليس شيئا مكلفا، المشكلة أعقد بكثير من مسألة تقديم طلب لتسجيل حزب. هي قضية حرية، وهذا الشرط الأساس غير متوفر على الإطلاق. تأسيس الحزب حقنا، وليس منّة من أحد، ولا نقبل الابتزاز لنستفيد من حقنا، لم نقبله فيما سبق ولن نقبله.

إننا نعيش في عالم تتسارع فيه الأحداث، خاصة في محيطنا الإقليمي، لصالح نزعات التحرر والانعتاق من الأنظمة الاستبدادية. نتمنى أن يستخلص من يحكم هذا البلد العبر، فإن الإمعان في حرمان الناس من حقوقهم يسرع عجلة التغيير، ومن يعتقد أنه مُستثنى سيكون واهما.

ليعطونا حريتنا وحينها سنعيد التفكير في تأسيس حزب ونقرر ما نريد وما الذي يناسبنا، غير ذلك لا نقبل الهوان على أنفسنا. و”من هانت عليه نفسه فهو على غيره أهون”.

 

أنت واحد من قيادات الجيل الجديد. هل يمكن أن نتحدث مستقبلا عن نسخة ثانية للجماعة تتجاوز الجيل المؤسس وفكر الشيخ عبد السلام ياسين؟

كثير من الناس لا خبر عندهم عن المعاني التي تغشانا في جماعة العدل والإحسان ورسّخها فينا الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه لله، ويغلُب أن يعرفنا الناس من خلال مواقفنا السياسية وصلابتنا في مقاومة الاستبداد، لكن قلّما يُتاح أن يطّلعوا على رسالتنا الإيمانية، التي تروم تجديد الإيمان في القلوب.

على هذا نجتمع، ونلتقي، وحتى تدافعنا السياسي هو فرع من هذا الأصل.

الجماعة تتطوّر ولا تتحوّل، وما يجمع جيل مؤسسيها، الأحياء منهم والأموات، بأصغر عضو فيها سنا هو همٌّ واحد: رضى لله. فهل بهذا المعنى يستقيم أن نتحدث عن نسخة أولى أو ثانية أو حتى عاشرة؟ هي سلسلة نورانية كما نسميها، بعضها مرتبط ببعض، وبعضها يشدّ بعضا.

ثم إن التمسك بالأصول الكليّة الجامعة والمؤسسة لمشروع الجماعة، والتي هي روح الإسلام، لا يمنعنا من أن نفتح عقولنا، من أول جيل إلى ما شاء لله، لكل حكمة، وعلى هذا الأساس تتطور الجماعة باستمرار، بما يعزز أداءها في النهوض بالرسالة التي نذرت نفسها لها.

رسالة العدل والإحسان رسالةُ أجيال، وليست رسالة جيلٍ، لهذا لا نستعجل التغيير، لكننا نعمل له، موقنين أن التغيير الحقيقي يستهدف الإنسان قبل البنيان.

 

تم مؤخرا التصويت على مشروع قانون الإطار للتربية والتعليم. ما موقفكم من هذا التصويت؟ وهل ستتكتفون بالانتقاد كغيركم؟

موقفنا يتقاطع مع قطاع واسع من المغاربة، الذين يرون أن المداخل الفاسدة لا يمكن أن تؤسس للإصلاح.

يبدو أن إدمان الفشل صار علامة مسجلة باسم هذا النظام، لكن الخطير أن العبث يتواصل في تهديم مقومات الأمة المغربية، وافتعال نقاشات وإثارة تناقضات مصطنعة من أجل تمرير مقررات تسعى لتأبيد الفوارق الاجتماعية، وعدم الوصول إلى تعليم يبني الشخصية الفاعلية.

لقد جرى إقرار مشروع القانون على وقع فضائح يقول به من يقبلون على أنفسهم المشاركة في هذا العبث، ويقبلون أن يحضروا مهازله.

تسجل الكثير من الملاحظات المنهجية وأخرى مرتبطة بالمضمون والجوهر، لكنها كلها تؤدي إلى خلاصة واحدة: إن الإصلاح يشترط أدوات إصلاح سليمة، وغير ذلك تدوير للأزمات، ومن جملتها أزمة التعليم في هذا البلد.

التعليم كان معضلة، وسيبقى كذلك في غياب الإرادة السياسية للإصلاح، وفي غياب الرؤية.