ثكنة هرمومو.. قصة تلاميذ عسكريين انقلبوا على الحسن الثاني دون أن يعلموا

الحسن الثاني الحسن الثاني

هكذا تحول حلمهم العسكري إلى جحيم لاحقهم عدة سنوات

بعد مرور 48 سنة، مازال التلاميذ العسكريون بمدرسة هرمومو، الذين تجاوز بعضهم عقده السادس، يتذكرون فصولا أليمة من تاريخهم العسكري حين شاركوا في انقلاب على الراحل الحسن الثاني، وهم لا يدرون. هذا الحدث سيحول حياتهم إلى جحيم ومعاناة. في العاشر من شهر يوليوز من سنة 1971، شهد المغرب أول محاولة انقلابية في تاريخه، قادها الكولونيل امحمد اعبابو، قائد المدرسة العسكرية بهرمومو، إلى جانب الجنرال محمد المذبوح. نواة هذا التمرد العسكري لم تكن سوى تلاميذ مدرسة هرمومو، الذين لم يعلموا أنهم سيتوجهون إلى قصر الصخيرات للانقلاب على نظام الحسن الثاني، ليفاجَؤوا بوجودهم داخل القصر والرصاص يلعلع في كل مكان، ليسقط العديدون منهم صرعى داخل القصر، ويتمكن بعضهم من مغادرته باتجاه مقر الإذاعة والتلفزة الوطنية، من أجل السيطرة عليه، فيما بقي البعض الآخر داخل القصر، والتقوا صدفة الملك الراحل الحسن الثاني، ليفضل بعضهم العودة إلى مدرسة هرمومو، بعدما وجدوا أنفسهم دون قائد داخل القصر.

ويحكي بعض المشاركين في الانقلاب من التلاميذ العسكريين، أن خلافا بين المذبوح واعبابو، اللذين لقيا حتفهما أثناء مشاركتهما في الانقلاب، أدى إلى فشل هذا التمرد العسكري، الذي يعد الأول من نوعه في مغرب ما بعد الاستقلال.

وفي شهادته، قال محمد متقي الله، رئيس تنسيقية ضحايا مجموعة هرمومو، إنه التقى الملك داخل القصر، وهناك اتضحت له الرؤية، حين أخبرهم الحسن الثاني بأن ما يجري انقلاب، خصوصا أنهم كانوا يعتقدون أنهم أتوا إلى القصر من أجل حماية ملك البلاد من أعداء مفترضين.

لكن رغم أن متقي الله ومن كان معه وقفوا إلى جانب الملك الراحل، فإن موجة الاعتقالات، التي طالت تلاميذ مدرسة هرمومو العسكرية، لم تستثنهم، ومروا بتجربة اعتقال قاسية، في سجن غير نظامي بتمارة.

وفي 31 يناير من سنة 1972، بدأت محاكمة المعتقلين، في المحكمة العسكرية بالقنيطرة، ودامت المحاكمة شهرا كاملا، وأصدرت هيئة الحكم قرارا بإعدام عشرة ضباط، بينهم أربعة جنرالات، فيما أدين ضباط آخرون بالسجن، وجرى ترحيلهم إلى معتقل تزمامارت الشهير.

أما تلاميذ المدرسة العسكرية، الذين كان يتجاوز عددهم الألف شخص، فقد قضت المحكمة العسكرية في حقهم بالبراءة، وعادوا لإتمام تكوينهم بعد ذلك، لكن في مدارس عسكرية أخرى، حيث فرضت عليهم رقابة صارمة.

وقد جرى اعتقال التلاميذ العسكريين، الذين شاركوا في المحاولة الانقلابية الأولى، من جديد، بعد انقلاب أوفقير، وبدؤوا يعانون من جديد التضييق عليهم، وبدأت موجة تسريح في صفوفهم، حيث لم يسمح لكثيرين منهم الالتحاق بالمناصب الإدارية، رغم اجتيازهم عدة مباريات بنجاح.

يحكي محمد متقي الله أن القصر الملكي بمدينة الصخيرات تحول، في يوليوز 1971، من أجواء الفرح والابتهاج بعيد ميلاد الملك الراحل الحسن الثاني، إلى جو مرعب فاحت خلاله رائحة الموت في أرجاء القصر، حيث قاد كل من رئيس الحرس الملكي، الجنرال محمد المذبوح، وقائد المدرسة العسكرية «هرمومو»، محمد اعبابو، الانقلاب الذي شارك فيه جنود من المدرسة العسكرية المذكورة.

وأكد الضابط العسكري السابق، محمد متقي الله، أن طلبة المدرسة العسكرية هرمومو لم يكونوا على علم بأن الأمر يتعلق بانقلاب عسكري، «الكثير منا لا يعرف ملامح الحسن الثاني، والكثير منا لم يسبق له أن شاهد البحر، أو الأكل الباذخ، ما جعل الطلبة يتيهون داخل القصر الملكي، وما زاد من فوضى المكان، أننا قُسمنا إلى فريقين؛ الأول ولج الباب الأمامي، والثاني الباب الخلفي. تطورت الأوضاع، فأصبحنا نطلق الرصاص على بعضنا البعض، وأشهد الله أنني لم أستعمل السلاح إلا باتجاه السماء، وأنا حاضر وسط هذا المشهد الذي حول المكان إلى دماء». ويؤكد متقي الله، الذي التقى الحسن الثاني خلال عملية الانقلاب، أنه شاهد الملك الراحل مع بعض طلبة مدرسة «هرمومو» وهو رافع يديه فوق رأسه، قبل أن يتحدث إليه الجنود بعد تعرفهم عليه، وأكدوا له أنهم ليسوا على علم بتاتا بأن الأمر يتعلق بانقلاب عسكري، بل إن التعليمات أعطيت لهم لإنقاذ الملك لأنه في خطر. يقول متقي الله: «بعد ذلك طلب منهم الملك أن يضعوا الأسلحة أرضا، وأن يرفعوا أيديهم لقراءة سورة الفاتحة، قبل أن تتدخل قوات الجنرال محمد أوفقير، وزير الدفاع آنذاك، لكن الغريب في الأمر أنه بعدما طمأننا الحسن الثاني، بدخول قوات أوفقير، وما إن خرج الملك من القاعة التي جمعتنا به، حتى جرى تصفيد أيدينا بالأغلال». بعد ثلاث ساعات من الفوضى داخل قصر الصخيرات، نجا الملك الراحل الحسن الثاني من محاولة الانقلاب عليه، وكلف وزير دفاعه، محمد أوفقير، بإعادة ضبط الأمور. مات أزيد من 130 شخصا، وأعدم 10 ضباط بينهم 4 جنرالات، فيما زج بالعديد من الطلبة في السجون.

من الحكايات الطريفة التي ظلت عالقة في ذهن محمد متقي الله، وهو يحكي لنا مأساة طلبة هرمومو العسكرية، تتعلق بسر فقدان ساعة الملك الراحل الحسن الثاني خلال الانقلاب، فقد كان الجنرال، مولاي حفيظ العلوي، يأتي إلى ثكنة مولاي إسماعيل، التي اعتقلوا داخلها، ويهددهم، بالقول: «مصيركم معلق بساعة سيدنا، اللي حيدها ليه من يدو فين دارها، ومصيركم معلق بهذه الساعة، إذا وجدتموها، سيفرج عنكم».

وأضاف المتحدث نفسه أنه نظرا إلى حداثة سنهم في ذلك الوقت، إذ لم يكونوا قد تجاوزوا 20 سنة بعد، كان بينهم «ملائكة وشياطين»، وهناك من قام بأشياء مخالفة للقانون، حيث أخبرهم مولاي حفيظ العلوي عن أوصاف تلك الساعة، وقال لهم: «هي ساعة مربعة الشكل، وتحمل أرقاما بالحروف الرومانية، وعقاربها سوداء ورخامها أبيض». وأضاف متقي الله أنهم شرعوا، تحت التهديد، في البحث عن ساعة الحسن الثاني التي فُقدت، ليُتهم جندي من تازة بأنه هو من حصل عليها، بعدما اعترف بذلك، قبل أن يُعثر بعد ذلك على ساعة الملك المفقودة في مسبح قصر الصخيرات.

يقول محمد متقي الله، التلميذ الضابط سابقا، إن مدرسة هرمومو، التي تصل مساحتها إلى 42 هكتارا، آلت إلى وضع مأساوي، وأضاف، وقد امتقعت تقاسيم وجهه بفعل الحسرة، أن المدرسة العسكرية تعرضت للإهمال، بعدما تلاشت مرافقها، وقد كانت مدرسة كبيرة لتكوين ضباط الصف، شبيهة بنظيراتها الموجودة بفرنسا، واستقبلت أول أفواجها سنة 1956، وهي السنة التي ترأس إدارتها الراحل إدريس بنعمر العلمي، برتبة «كومندان»، وبعده العقيد الدمناتي، فالكومندان البوزيدي، ثم الكومندان امحمد اعبابو، القادم من مركز التداريب العسكرية بالحاجب، رفقة طاقمه المركب من ضباط الصف وجنود كانت لهم تجربة كبيرة في الميادين العسكرية.

وحسب متقي الله، فالمدرسة عرفت عدة إصلاحات في البنية التحتية، وبرامج التداريب، والتكوين الميداني والتطبيقي في الرماية والفنون الحربية، حيث جرى التركيز بشكل معمق على جميع المواد، كالهندسة العسكرية والطوبوغرافية، والمواصلات السلكية واللاسلكية، والميكانيك، والأسلحة المختلفة الثقيلة والخفيفة، وكل ما يتعلق بالجندية. وعرفت المدرسة، أيضا، بالحزم والصرامة والانضباط، وسُيرت بقانون داخلي شعاره الويل لمن يخالفه. هذا ما كانت عليه المدرسة التي خرج منها انقلابيون، بعضهم ثبت تورطه، وآخرون سيقوا إلى المؤامرة دون علمهم ونالوا براءتهم، قبل أن ينالوا تعويضاتهم عن التعذيب الذي لحق بهم أثناء التحقيق. ويلخص متقي الله الواقع الحالي لمدرسة هرمومو العسكرية، قائلا إن «مدرستنا العسكرية أصبحت عبارة عن أطلال، جدرانها اليوم تتساقط يوما بعد آخر، وأشجارها شاخت، وتجهيزاتها نال منها الصدأ، وتحولت إلى مرعى للأغنام، وحتى الأسلحة العتيقة التي ترمز إلى حقبة مهمة، والموجودة في المدخل الرئيس، طليت بلون قنينات الغاز، ويتناوب على حراستها بمركز صغير بضعة جنود».

بالنسبة إلى متقي الله، فإن «ما حدث، يوم السبت 10 يوليوز 1971، حول حياة المئات من التلاميذ العسكريين بمدرسة هرمومو إلى جحيم، وأتى على الأخضر واليابس، فقد أعدم من أعدم، وقتل من قتل، فيما اعتقل الباقون، لنُرحَّل إلى السجن السري غير النظامي بتمارة، ليزورنا الوكيل العام للملك، آنذاك، العقيد رمضان بنعيادة، ليسلمنا محاضر للمثول أمام القضاء بالمحكمة العسكرية الدائمة للقوات المسلحة الملكية بالقنيطرة بتاريخ 31 يناير 1972. وما تبادر إلى دهننا، عندما تسلمنا المحاضر ووقعنا عليها، بعدما اطلعنا على ما جاء في صكوك الاتهامات والفصول المغيرة والمتممة من قانون العدل العسكري، هو سؤال: هل باستطاعتنا أن ننصب محاميا يدافع عنا، في حين أن عائلاتنا تجهل حتى مكان وجودنا؟ كنا ممنوعين من زيارة عائلاتنا، ولم يكن يزورنا أحد سوى المحامين الذين تطوعوا للدفاع عنا سنة 1972، وفي مقدمتهم الأستاذ عبد الرحمان بنعمرو».

بعد الاستقلال، ستتحول ثكنة هرمومو إلى مدرسة عسكرية، بعدها سيعين الكوموندو محمد اعبابو مديرا لها، والذي كان يشتغل بمركز لتدريب الجنود بمدينة الحاجب. ونظرا إلى الانضباط والجدية اللذين كان يتسم بهما، جرى تعيينه على رأس المدرسة. بمجيء اعبابو، ستتغير الكثير من معالم المدرسة، إذ جلب إليها تجهيزات عصرية ولوجيستيكا متطورا مقارنة بما كان متاحا آنذاك، ناهيك عن المرافق التي شيدها بها، من مسبح وملعب معشوشب وغيرها.

يحكي محمد متقي الله، أحد الضباط المتخرجين من هذه المدرسة وأحد الذين ارتبط اسمهم بانقلاب الصخيرات، كيف كان الطلاب آنذاك يتلقون التدريبات على أيدي أطر مغربية وأجنبية. استطاع نابليون الصغير، وهو لقب كان يطلق على اعبابو نظرا إلى قصر قامته وصرامته، أن يجعل من المدرسة مدرسة نموذجية لها صيتها الوطني، بل حتى خارج الوطن. فبالإضافة إلى التجهيزات المتطورة، كان النظام صارما داخل المدرسة. يحكي أحمد المرزوقي، الذي كتب له أن يؤطَّر ويؤطِّر بالمدرسة العسكرية هرمومو، أن اعبابو كان حريصا على تطبيق النظام داخل المؤسسة العسكرية، إلى درجة أنه -يقول المرزوقي- «لا يمكن أن تمشي مشية عادية وأنت داخل المؤسسة»، حيث الكل يمشي مشية «خطوة رياضية»، وهي أن يضع قبضتي يديه على صدره ويهرول بطريقة متزنة.

حين كان اعبابو على رأس المدرسة العسكرية، كان يخطط للانقلاب على الراحل الحسن الثاني. لكن -يقول محمد متقي الله- «لا أحد كان على علم بما يخطط له، إذ كان يغيب عن المدرسة لفترات، لكن ذلك لم يؤثر على السير العادي بها. في إحدى المرات، كان طلاب المدرسة يستعدون لاستقبال وفد من إحدى الدول الإفريقية، في إطار تبادل التجارب والاستفادة من تجربة مدرسة هرمومو، فمر اعبابو على الفرقة المكلفة بالاستقبال، فوجدها في وضع غير سليم، الأمر الذي جعله يوبخ قائد الفرقة. بعد ذلك خاطب الجنود قائلا: ‘‘غانضرب ليكم شي تالافا اللي ما عمركم شفتوها’’، وهي الجملة التي لم يفهمها الجندي متقي الله في ذلك الوقت، ولم يفهم هو ورفاقه ما يرمي إليه اعبابو إلا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة. لا شيء آنذاك كان يوحي بأن محاولة الانقلاب ستنطلق من مدرسة هرمومو، خصوصا أن الكل كان يؤدي القسم، وصدى النشيد الوطني كان يتردد في جنبات المدرسة في كل وقت، حتى في أوقات العقاب، كان الطالب يعاقب وفي الوقت نفسه يلهج لسانه بالنشيد العسكري الذي كان من بين أبياته: ‘‘إنا حلفنا القسم ألا نخون الوطن’’. في الفاتح من نونبر سنة 1969، اختيرت المدرسة لتمثيل وفد المغرب في الجزائر التي كانت تحتفي بعيدها الوطني في ذلك اليوم».

ويضيف متقي الله قائلا: «لما اقترب موعد الانقلاب الذي خطط له اعبابو، تغيرت التداريب بشكل ملحوظ داخل المؤسسة العسكرية، إلى درجة أن السنة الدراسية انتهت قبل أوانها، وهو الأمر الذي أثار تساؤلات الطلاب، وفي شهر ماي من سنة 1971، كان مخططا أن تقام مناورات عسكرية في مدينة الحاجب، وكما كان جاريا به العمل، اختيرت فرقة من داخل مدرسة هرمومو لتشارك في الاستعراض، لكن لا أحد من الجنود البسطاء كان يدري ما يحاك في الخفاء». والغريب في الأمر -يقول متقي الله- أن «كل واحد من الجنود تسلم بندقيتين، والمعروف في مثل هذه الحالات أنه كان يجري تمكينهم من بندقية واحدة فقط، ما أثار استغراب بعضهم، لكن القانون العسكري الذي يحتم التنفيذ دون أي مناقشة كان أقوى من الاستغراب. كان الحسن الثاني آنذاك يشرف شخصيا على هذه المناورات. وقبل أن تنطلق هذه الأخيرة، مر الحسن الثاني، كما اعتاد أن يفعل، أمام الفرق التي تؤدي له التحية العسكرية، إلا أن الفرقة القادمة من مدرسة هرمومو، التي يشرف عليها اعبابو، لم تؤد التحية كما يجب»، ويذكر متقي الله أن «اعبابو لم يأمر الفرقة بأداء التحية إلا بعد اقتراب الحسن الثاني، عكس ما كان يجري به الأمر، فبعدما اقترب الراحل من الفرقة، صاح اعبابو في جنوده بصوت مرتفع وبنبرة صارمة «بالكم»، لكن بمجرد أن ابتعد الملك بخطوات فقط، صاح اعبابو مرة أخرى وبالنبرة نفسها «راحة»، وقتها التفت الحسن الثاني، ثم استمر في المشي. وكانت هذه الإشارة تحيل على أمر ما يدبر في الخفاء -يؤكد متقي الله- لكن ذلك لم يظهر إلا أثناء محاكمة المتورطين في انقلاب الصخيرات، إذ صرحت زوجة الجنرال المذبوح، التي كانت من بين الشهود، بأن مؤامرة الانقلاب دُبِّرت في ذلك اليوم، أي 14 ماي، لكن سوء أحوال الطقس جعل المذبوح يأمر اعبابو بتأجيل الأمر إلى مرة لاحقة».

يسترسل متقي الله في حكيه، فيقول: «بعد ذلك عادت فرقة هرمومو إلى المدرسة العسكرية، كان نظام المدرسة آنذاك لا يعرف برنامجا قارا، بل كان لكل أسبوع برنامجه الخاص. ما لاحظه الطلاب بعد ذلك، وهم المقبلون على التخرج، أنهم أصبحوا يعيشون فراغا في البرنامج الذي أصبح كله عبارة عن حصص في الرياضات الجماعية. في الأسبوع الأول من شهر يوليوز، جرى إخبار الطلاب بأن هناك حالة استنفار في مكان ما، وأن عليهم أن يكونوا على أهبة الاستعداد للتوجه إلى هناك. في المساء، عاد الجنود إلى النوم. في الساعة الرابعة صباحا من اليوم الموالي، جرى إيقاظهم، ووزعت عليهم وجبات غذائية تكفيهم لمدة 48 ساعة، ليرحَّلوا بعد ذلك في شاحنات لم يكونوا يعرفون وجهتها. وفي غابة بوقنادل، توقفت الشاحنات، وأخذ الجنود فترة استراحة. كان هناك أناس بزي مدني في انتظارهم، تبادلوا أطراف الحديث مع رؤساء الفرق، لكن الجنود البسطاء لم يعرفوا من هم هؤلاء. في يوليوز 1971، دخلت الشاحنات المحملة بالجنود إلى القصر الملكي بالصخيرات، بعدما قسمت إلى فوجين؛ كل فوج دخل من جهة. هناك انخرط الجنود في التراشق في ما بينهم، وكل طرف يعتقد أنه يقاتل العدو. لتسود فترة لعلع فيها الرصاص في الهواء دون أن يُعرف العدو. فشلت محاولة الانقلاب، وترتب عليها ما ترتب من إعدامات واعتقالات وتصفيات في عين المكان».

أما الضابط أحمد المرزوقي، فعلاقته بمدرسة هرمومو كانت مختلفة عن التلاميذ الجنود بهذه المدرسة. يحكي المرزوقي أنه كان يدرس في الستينات من القرن الماضي بالأكاديمية العسكرية في الرباط. كان حضور الدروس آنذاك أمرا إجباريا على الجميع. أحد الأفواج التي كان ضمنها المرزوقي، كان أفراده يتغيبون عن الحصص. الأمر الذي جعل رئيس الفرقة يخبر الجنرال إدريس بنعمر، الذي لم يتردد في إصدار حكم تأديبي في حق هؤلاء، كان عبارة عن تنقيلهم إلى المدرسة العسكرية هرمومو. هناك وجدوا نظاما صارما يطبق على الجميع. الطريقة التي يشتغل بها الكوموندون اعبابو كانت «خارقة»، كما فضل المرزوقي أن يصفها، إلى درجة أن أعمال البناء، عندما انطلقت داخل المدرسة، كانت تستمر طوال اليوم 24/24 ساعة، تتناوب عليها أفواج. بعد التخرج، سيصبح أحمد المرزوقي إطارا يدرس بالمدرسة.

كيف استطاع 1400 جندي من تلاميذ المدرسة العسكرية بهرمومو التحرك نحو الصخيرات، على امتداد مئات الكيلومترات، مدججين بشتى أنواع السلاح، دون أن يثيروا انتباه السلطات العسكرية والمدنية، ورؤساء المناطق العسكرية، وعمال الأقاليم الأربعة التي اخترقوها آنذاك؟ سؤال ظل يردده الكثيرون.

اليوم تمر 48 سنة على محاولة انقلاب الصخيرات، ومازال عدد من تلاميذ المدرسة العسكرية «هرمومو» (رباط الخير حاليا)، يتذكرون فجر 10 يوليوز 1971، عندما اجتمعوا رفقة ضباط وضباط صف في ساحة الثكنة أمام العشرات من الشاحنات والسيارات العسكرية، وهم يتأبطون بنادق أوتوماتيكية وكميات من الذخيرة الحية. ليستقبلهم الكولونيل امحمد اعبابو، مهندس الانقلاب، بحماس، ويأمرهم بصعود الشاحنات دون تحديد وجهتهم. قاد الكولونيل شخصيا القافلة العسكرية، وهو على متن سيارة «جيب». واصلت القافلة مسارها بشكل عادي، دون أن تعترضها نقط تفتيش الجهات الأمنية المختصة، إلى أن وصلت قرب غابة بوقنادل، حيث أمر الكولونيل الجميع بالاستراحة، وتوجه للقاء غرباء، تبين فيما بعد أن بينهم شقيقه الكولونيل محمد اعبابو، والكولونيل القادري، الذي سيتحول إلى زعيم حزب سياسي فيما بعد.

كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد الزوال، عندما فوجئ نقيب بالدرك مكلف بحراسة بوابة القصر، بشاحنات عسكرية تتوقف أمام القصر الملكي، الذي كان يشهد وقتها حفلا صاخبا بمناسبة الاحتفاء بعيد الشباب. أدرك النقيب خطورة الموقف، فأشهر مسدسه في وجه اعبابو طالبا منه المغادرة. حاول الكولونيل المتحمس استمالته إلى صفه، فكان جواب النقيب رصاصة في ذراع اعبابو، الذي رد عليه بطلقات نارية أردته قتيلا، ليبدأ اقتحام القصر، وتعم الفوضى بين ضيوفه المغاربة والأجانب.

وسط تلك الفوضى، سيظهر أول شريك للكولونيل اعبابو في الانقلاب العسكري، وهو الجنرال المذبوح الذي كان غاضبا جدا من اعبابو. كشف تلاميذ هرمومو، الذين حضروا الواقعة، أن الجنرال المذبوح احتج بشدة على خرق اتفاق يقضي باقتحام القصر دون إطلاق نار، قبل أن يطالبه بمرافقته للقاء الملك لتوقيع وثيقة تنازله عن العرش. أدرك اعبابو أن الجنرال خطط لتصفيته جسديا للظفر بالسلطة، فأمر جنوده بقتله.

التقى اعبابو جنرالات وضباطا كبارا، بينهم الجنرال حبيبي وأمحزون والكولونيل الشلواطي، وغيرهم، واقترح عليهم المشاركة في الانقلاب، مؤكدا لهم مقتل الحسن الثاني، ما جعل عددا منهم يوافق على العرض، لاسيما الكولونيل الشلواطي، الذي تكفل بإدارة الانقلاب بعدما قرر اعبابو التوجه إلى الرباط لاحتلال مقرات الإذاعة ووزارة الداخلية والقيادة العامة للقوات المسلحة، التي سيلقى فيها حتفه، بعد مواجهة مسلحة على طريقة أفلام «الكوبوي» مع الجنرال البشير البوهالي، وبموته فشل الانقلاب.