كيف حولت مناورة اعبابو العسكرية طلبة أهرمومو إلى ضحايا لسنوات الرصاص

يحكي الصبايري كيف تم التحرك إلى قصر الصخيرات وفق خطة محبوكة من الكولونيل اعبابو

بنعيسى الصيابري، من تلاميذ مدرسة هرمومو، كان يستعد للتخرج ضابطا عسكريا في بداية سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يجد نفسه قد زج به في انقلاب عسكري من طرف الكولونيل عبابو، الذي قال لهم إنكم ستشاركون في مناورة عسكرية فقط. الصيابري يقدم روايته الكاملة حول ما جرى للمئات من زملائه حين غرر بهم لينقبوا على الحسن الثاني، ليؤكد أنهم كانوا يجهلون وجهتهم، حين تحركوا في مجموعات عسكرية على متن 30 شاحنة عسكرية، إلى مدينة الصخيرات، لم يكونوا يعتقدون ولو للحظة أنهم يزحفون نحو الإقامة الملكية لقلب نظام الحكم بقوة السلاح.

يقول الصيابري، “كنا في طور وضع آخر اللمسات على انتهاء السنة الدراسية عام 1971 بهرمومو وصفرو، وكان الجميع يستعد لقضاء عطلته الصيفية مع أهله وأحبابه، جاء أمر بالالتحاق بالمدرسة الملكية العسكرية بأهرمومو من أجل إجراء مناورة عسكرية، والرائد لوراوي من الدرك الملكي، هو الذي أخبرنا بذلك، وكان ذلك ظهر يوم الجمعة 9 يوليوز 1971، مؤكدا أن على جميع الضباط وبعض ضباط الصف الالتحاق بمدرسة أهرمومو، وقد تم اختيار 12 ضابطا لهذه المناورة من مجموع 20 ضابطا، ولم أكن من بين المختارين رسميا، لقد تم اختيار المشاركين بناء على دراسة الملفات من قبل الكولونيل اعبابو، الذي اختار من شاء وأزاح من أراد، ساعتها انتقلت رفقة الضباط وضباط الصف إلى مدرسة أهرمومو، حيث تم تجميعنا بعد زوال اليوم في الساحة الرئيسية، وكانت مكتظة بالمئات من الضباط وضباط الصف والجنود، رفقة الأسلحة والعتاد. في مساء ذلك اليوم ـ بعد وقوف الكولونيل اعبابو على الاستعدادات ـ كان لنا لقاء مباشر معه في قاعة الشرف، واطلعنا على أن هناك مناورة بمنطقة بنسليمان لاختبار تكويننا العسكري، مؤكدا أن هناك ضباطا سامين لم يتسن لهم إقناع القيادة العسكرية العليا بالقيام بهذه المناورة، وبأن مدرسة أهرمومو هي التي كان لها شرف هذا الاختيار، نظرا لمكانة ضباطها فيما يخص التكوين والجدية، مضيفا بأن العملية ستستمر 48 ساعة”.

الصبايري ليس الوحيد الذي غرر به إلى انقلاب عسكري لا يعلم عنه شيئا، “بل الجميع لم يساوره أدنى شك في حديث الكولونيل اعبابو، فهو الأقرب إلى الدوائر العسكرية العليا، كما أنها ليست المناورة الأولى التي نجريها بالذخيرة الحية، فقبل ذلك بأقل من سنتين أجرينا مناورة في جبل حمرا بوجدة بواسطة الذخيرة الحية، وكان حاضرا فيها المرحوم الأمير مولاي عبد الله والجنرال إدريس بنعمر.. وشاركت فيها العديد من الأجهزة العسكرية من الجوية إلى البرية، ومرت الأمور بخير وعلى خير.. كما أن مسيرة الضباط وضباط الصف كلها مناورات وهي الأقرب إلى حرب حقيقية، لاختبار مدى التكوين والانضباط والجدية، ولا يمر شهر دون إجراء مناورة، سواء داخل المدرسة أو خارجها، ويمكن أن تتم بالذخيرة الحية أو البيضاء، حسب طبيعة المشاركين في المناورة.. وحسب الدروس العسكرية المبرمجة في المقرر، انصرف كل مسؤول لوضع آخر الترتيبات لهذه المناورة، ولا أحد بإمكانه مناقشة التعليمات العسكرية، ومن يناقش يتم تأديبه وفق القانون المعروف بالانضباط العسكري”.

يحكي الصبايري كيف تم التحرك إلى قصر الصخيرات وفق خطة محبوكة من الكولونيل اعبابو: “في الليلة التي ستسبق الانقلاب، كنا مستيقظين في حدود الساعة الثالثة والنصف صباحا، وبعد تناول وجبة الفطور عبارة عن قطعة خبز والزبدة وكأس من القهوة، سيتم تقسيمنا إلى مجموعتين، الأولى ستمر عبر زغوطا نواحي سيدي قاسم في اتجاه بوقنادل، والثانية عبر مكناس فالخميسات فغابة المعمورة، فلا يمكن التحرك جماعيا في موكب يتكون من 30 شاحنة عسكرية، لأن من شأن ذلك وقوع بعض الحوادث وسيعرقل حركة السير، خصوصا وأننا تأخرنا لأكثر من ساعة في الانطلاقة، وعليه كان لزاما تفريقنا لمجموعتين، على أساس الالتقاء في بولقنادل، المجموعة التي كنت ضمنها سارت وفق طريق القنيطرة، وكان القبطان بلكبير هو المسؤول عنها، فيما كان النقيب الشلاط مسؤولا عن المجموعة الثانية. وبعد حوالي سبع ساعات من السير التقينا في غابة بولقنادل. في الشاحنة التي كنت فيها كانت تضم 40 تلميذا من ضباط الصف زائد شارجان بمثابة خليفتي، والمجموع العام كان حوالي 1200 بين الضباط وضباط الصف في المجموعتين معا. وكان ترتيب شاحنتي السابعة ضمن 15 شاحنة في المجموعة التي كنت ضمنها.

الغريب في الأمر أنه قبل الوصول إلى بولقنادل، لم يستوقفنا في الطريق أي شخص من سلطات المراقبة الطرقية، سواء من الجيش أو الدرك الملكي أو الأمن، ولم يطلب منا أي جهاز الأوراق الثبوتية أو رخصة الخروج من الثكنة، ولم يسألنا أي أحد عن وجهتنا، ولا عمال الأقاليم التي مررنا بنفوذ ترابهم. ولو قامت هذه الأجهزة بواجبها في المراقبة لأنقذوا المئات من الضحايا بين القتلى والجرحى والمعتقلين وضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وما كلف البلاد من خسارة وفوضى آنذاك، لقد ضاعت العديد من الأطر العسكرية الكفأة التي سقطت برصاص بعضنا البعض، وحرمت البلاد من تجربتها العسكرية التي كانت ستغير مجرى التاريخ العسكري الحديث. وصلنا في حدود منتصف اليوم ونصف ساعة، ولم يتركوا لنا فرصة الاستراحة، وجدنا الكولونيل اعبابو واقفا رفقة عدد من الشخصيات العسكرية بلباس مدني التي قيل لنا إنها موفدة من القيادة العامة، وكان اعبابو يرتدي قميصا صيفيا ويضع نظارات شمسية تقيه من أشعة الشمس المحرقة، وطلب منا التحلق حولهم مشكلين نصف دائرة، وكنا حوالي 30 ضابطا وضابط صف، الكولونيل اعبابو قال بالحرف، “معشر الضباط وضباط الصف، إن هناك عناصر تنتمي إلى النقابة وتريد إحداث حالة الشغب والفوضى في قرية الصخيرات، والمطلوب هو مواجهتها لاستتباب الأمن والطمأنينة، عبر إلقاء القبض على المشاغبين واستعمال الذخيرة في حق الهاربين بشرط إصابتهم تحت الركبة، لكي يسهل فيما بعد اعتقالهم”،. وأضاف “سأكون معكم في هذه العملية وسأشرف عليها ميدانيا، على أساس تقديم المعتقلين إلى مقر القيادة العامة، فهل من سؤال أو استفسار؟”. لم يتدخل أي أحد، وأمرنا بإيصال الأوامر للجنود وضباط الصف. وقبل تفرقنا من حوله، رفعنا شعارا موحدا بصوت مرتفع “عاش الملك”، بمن فيهم الكولونيل اعبابو الذي يظهر أنه كان في عجلة من أمره، وارتدى لباسه العسكري مرفوقا بنياشينه، ونفس الأمر لباقي الضباط السامين. الكولونيل اعبابو هو الذي قاد المجموعة الأولى فيما تولى شقيقه قيادة المجموعة الثانية، وفي حدود الساعة الثانية والنصف وصلنا إلى الصخيرات وكانت المسافة بين شاحنة وأخرى حوالي 10 أمتار، تأخرنا في الدخول بعد توقفنا حوالي دقيقتين، ولم يثر هذا التوقف انتباه أحد بحكم أننا طوال الطريق كنا نتوقف خصوصا وأن ذلك اليوم الصيفي كانت فيه الطريق الساحلية مكتظة، سواء من قبل المارة أو السيارات. دخلت الشاحنات تلو الأخرى لنجد أنفسنا في مكان معشوشب بجانب إقامة عرفنا فيما بعد أنها الإقامة الملكية. وبأوامر مباشرة من الكولونيل اعبابو الذي وجدناه واقفا نزل الضباط من شاحناتهم وأمرهم بالتشتت في كل الاتجاهات وإطلاق النار في الهواء، المكان الذي كان يحيط بنا كان عبارة عن فضاء معشوشب، عرفت فيما بعد أنه خاص برياضة الغولف، وبينما أنا شبه منشغل وحائر، وقد طغى علي عنصر المفاجأة، تلقيت رصاصة طائشة في قدمي، وزاد من التشويش الأوامر التي كان يصدرها الكولونيل اعبابو، صراحة كنا تائهين أمام هول ما يقع، وأصبح صوت المسدسات والرشاشات هو السائد، وكان الجميع يطلق النار بمن فيهم الحراس، واختلط الحابل بالنابل، فكان الرصاص ينطلق من كل حدب وصوب في جميع الاتجاهات، الإرادة الإلهية هي التي جعلتني أصاب برصاصة طائشة، بعد دخولي للقصر الملكي بأقل من خمس دقائق، وكان همي الأساسي هو إنقاذ رجلي، وبصعوبة ترجلت من مكاني الذي كنت فيه، ورأيت الجنرال مذبوح قادما نحو المكان الذي كنت فيه بدون حراسة، وهو يرتدي لباسا مدنيا، عبارة عن قميص وسروال “كاكي” ونظارات شمسية، اعترض طريقه تلميذان من ضباط الصف، ومنعاه من التقدم أو الحركة.