بعد خطاب العرش.. هذه فرضيات الدخول السياسي القادم

مصطفى السحيمي مصطفى السحيمي

حكومة مقلصة ومهمشة وأحزاب عاجزة وقوة دفع ملكية تحمل النموذج التنموي الجديد

يقدّم الأكاديمي المتخصص في القانون الدستوري والمحلل السياسي الذي تابع تدبير الشأن العام المغربي منذ عقود طويلة، قراءته الاستكشافية لما سيكون عليه الوضع الحكومي والحزبي لحظة الدخول السياسي المقبل. السحيمي يستشرف الوضع السياسي لشهر شتنبر المقبل، انطلاقا مما أعلن عنه الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش، من تجديد شامل للنخب الحكومية والإدارية، وتشكيل لجنة استشارية ستتولى إعداد النموذج التنموي الجديد.

معنى ودلالات التغيير الذي أعلن الملك حدوثه قبل الدخول السياسي

ما تم إعلانه من طرف الملك يهم على الأقل مجالين اثنين: الأول هو الحكامة العمومية والتوجيهات الجديدة التي أعطاها الملك للعمل والبرنامج الحكوميين الحاليين. فالملك طلب بشكل مباشر من رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، أن يرفع إليه مقترحات تعيينات تهم كلا من المناصب الحكومية وتلك الإدارية ومسؤولي المؤسسات العمومية. يتعلّق الأمر هنا، بمسطرة غير مسبوقة في ممارستنا المؤسساتية. لا شك أن تغييرات مسّت المجالين معا منذ عشرين عاما، لكنها المرة الأولى التي قدم فيها الملك بشكل علني نواياه. فقد وضع أجلا يتمثل في ما قبل الدخول السياسي والبرلماني، علما أن الافتتاح الرسمي للبرلمان يتم يوم الجمعة 11 أكتوبر المقبل.

النتائج المباشرة لهذا الوضع متعددة، أولها أن حكومة العثماني تضعف أكثر. فكرئيس للحكومة، تلقى العثماني تنبيها جديدا سواء لموقعه أو لأداء جزء من وزرائه، وبشكل عام بشأن التوجيهات التي تهم السياسات العمومية التي ينبغي تطبيقها.

  • الخطاب الملكي عقاب موجه ضد الحكومة الحالية وسياساتها:

يصعب النظر إلى الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش على أنه شهادة رضا ملكي. فالعثماني يعطي لنفسه الإحساس، منذ سنتين وبشكل خاص في الشهور الأخيرة، على أنه في عالم فريد، عالم خاص به، بل كوكب منفصل عن الوقائع والرهانات التي تهم هذه المرحلة. ما يغلب في النهاية لديه هو التفاؤل والرضا عن النفس وكنوع من رفض الاعتراف بواقع الحال. هناك عدة مؤشرات ماكرو اقتصادية ذات اللون الأحمر، منها عجز الخزينة وتعميق عجز الميزان التجاري وارتفاع مستوى الدين خاصة مع قرض مرتقب بمليار أورو من أجل تحقيق التوازن في ميزانية 2019، وجمود مستوى البطالة في مستوى 9.8 في المائة مع معدل 40 في المائة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة، ثم هناك تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، واللجوء إلى خوصصة 8 في المائة من أسهم اتصالات المغرب لتعبئة 8.88 مليار درهم، وهي العملية التي لم تكن متوقعة في قانون مالية 2019….

  • التشخيص نفسه ينطبق على المستوى السياسي..

من دواعي الانشغال أن كل شيء يجري حاليا كما لو أن السيد العثماني لا سلطة له. فهو يهنئ نفسه بحصوله على دعم أغلبية يصفها بأنها “الأجمل في التاريخ”، فهل لمثل هذه الكلمات أكثر من معنى؟ عن ماذا يتحدث رئيس الحكومة بالضبط؟ أين هي مصداقية رئيس الحكومة في كل هذا؟

لننظر إلى بعض الأمثلة: في 18 أكتوبر 2017 وفي إطار منتدى وكالة المغرب العربي للأنباء، قال العثماني إن مسألة التعديل الحكومي غير مطروحة في جدول الأعمال. بعد 6 أيام، وتحديدا يوم 24 أكتوبر، أقال الملك 4 وزراء بعد توصله بتقرير الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، إدريس جطو، بخصوص الافتحاص الذي هم الاتفاقيات المتعلقة بمخطط تنمية الحسيمة وإقليمها، والموقع في أكتوبر 2015. بعد 10 أشهر، جاء إعفاء وزيرين آخرين، هما بوسعيد وأفيلال، وذلك للأسباب نفسها.

في جميع المناسبات، ظل العثماني يقول إن تعديل حكومته لا يطرح إلا من طرف وسائل الإعلام، وإن حصيلة حكومته “جيدة ومشرفة”. يوم 12 ماي الماضي، وداخل بيت الصحافة بمدينة طنجة، كرّر رئيس الحكومة الخطاب نفسه. ثم استمر على النهج نفسه قبل شهرين تقريبا من الآن، وتحديدا يوم 11 يونيو، بتصريحه لأسبوعية “جون أفريك”، أن “جلالة الملك محمد السادس راض على عملنا…”. انطباع متفائل لم يقنع أحدا، بعد التنبيهات التي تضمنتها الخطب الملكية السابقة، أو من خلال الحصيلة المثيرة للانشغال التي أعلنها الاتحاد العام لمقاولات المغرب والمندوبية السامية للتخطيط أو حتى بنك المغرب.

  • ماذا عن الأغلبية الحكومية في ظل هذه الظروف؟

لا أظن أن هناك من يمكنه أن يدعم فكرة أن الأغلبية الحكومية متضامنة وموحدة. فمنذ البداية كانت هناك صعوبات تواجه هذه الأغلبية. وقد تطلّب الأمر 10 أشهر بعد تعيين أعضائها يوم 5 أبريل 2017، كي تتمكن الأحزاب الستة المتحالفة أخيرا من توقيع ميثاق الأغلبية، والذي يفرض قواعد تهم التنسيق والتضامن، وذلك يوم 19 فبراير 2018 في الرباط. بل إن الأمر تطلب عددا من الاجتماعات، لتحضير الدخول البرلماني لأكتوبر 2018، ومشروع القانون المالي الخاص بسنة 2019. لكن النقاشات العميقة لم تطرح أبدا، خاصة أن التوترات والأزمات لم تهدأ، خاصة بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار. وأعتقد أننا مقبلون على جولة جديدة، مع الشروع في تعديل الحكومة الحالية، طبقا للتعليمات الملكية الصادرة في خطاب العرش.

وسط كل هذا، لا يبدو العثماني مستعجلا، كما لو أنه يتململ في مكانه ويؤخر أي مواجهة مع حلفائه، خاصة حزبي التجمع الوطني للأحرار والتقدم والاشتراكية. امحند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، قام مؤخرا بمطالبة العثماني علنا بتدارك هذا التأخير، والذي مرده إلى العجز دون أي شك.

  • ما ستؤول إليه التوازنات السياسية داخل الحكومة مقارنة بما كانت عليه في أبريل 2017:

هناك صعوبة كبيرة تواجهها الأحزاب السياسية في تحديد الوزراء الذين ينبغي إعفاؤهم، كما أشار إلى ذلك الملك في خطابه. الصعوبة التي سيواجهها العثماني تحديدا داخل حزبه هي الأكبر، أي إيجاد الجواب الخاص بسؤال من سيتم إعفاؤه؟ هل هو وزير التشغيل محمد يتيم؟ أم لحسن الداودي وزير الحكامة والشؤون العامة؟ أم عزيز الرباح وزير الطاقة والمعادن، أم عبد القادر اعمارة وزير النقل والتجهيز، أم بسيمة الحقاوي وزيرة المرأة والتضامن والتنمية الاجتماعية؟ أم تراه مصطفى الخلفي الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان؟ أم أن الإعفاء سيهم نجيب بوليف، كاتب الدولة في النقل أو نزهة الوافي، كاتبة الدولة في التنمية المستدامة؟

في جميع الأحوال، سيكون العثماني مطالبا بالأخذ بعين الاعتبار وضعية حزبه المنقسم، والمضطرب بخرجات عبد الإله بنكيران الذي يرفض تزكية الصيغة الحكومية الحالية التي تم التوصل إليها في أبريل 2017، والتي يعتبرها مطبوعة بالتراجع عن مبادئ الحزب الإسلامي، والذي يحرص على أن يحافظ له على مرجعيته الإسلامية. في المقابل ستكون مهمة عزيز أخنوش أقل صعوبة، والذي يملك السلطة الكاملة على حزب التجمع الوطني للأحرار. أما باقي أحزاب الأغلبية الحكومية فقد تواجه بعض الطموحات وردود الفعل اليائسة، لكنها لن تعرف أي “رماة” يخرجون من صفوفها.

  • المهام التي ستناط بالحكومة في صيغتها المقبلة:

ستواجه الحكومة الجديدة التي سيتم تعيينها في الدخول السياسي المقبل، صعوبات كبيرة، إن لم نقل تحديات جمة. فأجندتها ستصادف مشكلة أولى، وهي كيف ستضع بصمتها الخاصة فوق مشروع قانون المالية الخاص بسنة 2020؟ فالآجال التي يضعها القانون التنظيمي للمالية، تفرض إيداع مشروع القانون المالي في البرلمان قبل 20 أكتوبر، وهو وقت ضيق جدا. التحدي سوف يكون كبيرا لأن الحكومة الجديدة مطالبة بتعديل مشروع القانون المالي الذي قطع أصلا أشواطا مهمة في تحضيره من طرف وزارة الاقتصاد والمالية. هذا المشروع يطرح تحدي تنزيل التوصيات التي خلصت إليها مناظرة الإصلاحات الجبائية، بينما لم يتقرر حتى الآن سوى تطبيق نحو 10 توصيات من أصل مائة تقريبا. كيف ستتم تعبئة الموارد المالية لهذا المشروع؟ والخطر الأكبر هو أن يساهم هذا القانون المالي أيضا في دعم الاستمرارية، بدل التغيير الذي يفرضه النموذج التنموي الجديد.

 

  • القرار الملكي بتشكيل لجنة استشارية لتحضير النموذج التنموي الجديد:

عمل هذه اللجنة يرتبط بعدد من العوامل. أولها من الذي سيتولى رئاستها؟ هذا أمر شديد الأهمية لأن المصداقية والخبرة والمعادلة الشخصية للرئيس ستؤثر حتما بشدة على العمل الذي ستقوم به هذه اللجنة، من أجل إيصاله إلى غاياته. ثم هناك عامل تركيبة هذه اللجنة، والتي ستتشكل من كفاءات منتمية إلى القطاعين العام والخاص، مع ممثلين لمختلف الحساسيات. لن يكون هناك وزراء إذن داخل هذه اللجنة كي تحافظ على استقلاليتها. عامل آخر يتمثل في الأجل الذي سيمنح لهذه اللجنة من أجل إنهاء عملها، والذي سيكون بدون أدنى شك بضعة أشهر. سوف لن يتعلق الأمر بعمل أكاديمي، بل بخطة عملية وقابلة للتطبيق والتقسيم إلى إجراءات وأولويات وأجزاء أيضا.

في جميع الأحوال، سيكون لتشكيل هذه اللجنة نتائج هامة، أولها انعكاسها على أداء الحكومة، وإن تم تعديلها. فالحكومة سوف تهمّش تحت تأثير قوة الدفع التي ستتولد عن اللجنة والتجديد المنتظر. كما ستنعكس اللجنة أيضا على الأحزاب السياسية، والتي ستجد نفسها في نفس وضعية “وقف التنفيذ”، بما أنها ستكون عاجزة لجميع الأسباب المعروفة، عن إطلاق أو تطبيق التغيير المنتظر في النموذج التنموي الذي يخلق تفاوتات أقل. كل ذلك يفضي إلى أن البناء المؤسساتي الحالي، من حكومة وأحزاب… لا يرقى إلى مستوى الإكراهات التي تفرضها الوضعية الحالية. وعموما، فإن إصلاحات عميقة ستتم في مكان آخر، في مجالات أخرى، عن طريق قوة الدفع الملكية، وبالتالي ستكون القوة “المحافظة” في ضفة، والإرادوية المدعمة 
محمولة من طرف الملك.

*محلل سياسي وأستاذ القانون الدستوري